تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ١٤٠ - ٧٠ ـ أحمد بن عيسى أبو سعيد الخرّاز الصّوفي البغدادي
بكر محمّد بن عبد الرّحمن [١] الشّقّاق يقول : سمعت أبا سعيد الخرّاز يقول : بقيت إحدى عشرة سنة أتردّد من مكة إلى المدينة ، ومن المدينة إلى مكة ؛ أريد أحجّ حجّة ، لا أرى مكة وأرى ربّ مكة ، فما صحّ لي منه يقين ، فلما كان بعد إحدى عشرة سنة ، [و][٢] أنا راجع من المدينة إلى مكة تراءى لي بعض الجنّ فقال لي : يا أبا سعيد قد والله رحمتك من كثرة تردادك في هذا الموضع ، وقد حضرني فيك أبيات فاسمع ، قلت : هات ، فأنشأ يقول :
| أتيه فلا أدري من التيه من أنا | سوى ما يقول الناس فيّ وفي جنسي | |
| أتيه على جنّ البلاد وإنسها | وإن لم أجد خلقا أتيه على نفسي |
قال أبو سعيد : فقلت له : اسمع يا من لا يحسن يقول ، إن كنت تحسن تسمع وقلت :
| أيا من يرى الأسباب أعلى وجوده | ويفرح بالتيه الدّنيّ وبالأنس | |
| فلو كنت من أهل الدنوّ لغبت عن | مباشرة الأملاك والعرش والكرسي | |
| وكنت بلا حال مع الله واقفا | تصان عن التذكار للجنّ والإنس | |
| فاسمع صفاتي في الوجود فإنني | إذا غبت عن نفسي كغيبوبة الشمس | |
| وقامت صفاتي للمليك بأسرها | وغابت صفاتي حين غبت عن الحسّ | |
| وغاب الذي من أجله كان غيبتي | فذاك فنائي فافهموا يا بني جنسي | |
| فهذا وجودي في المغيب بحاله | أقرّ به حتى يواري الثرى رمسي | |
| ولست أبالي بعد موتي بصرعتي | ولو صيّر المحبوب دار الشقا حبسي | |
| إذا كان ودي في ضميري ثابتا | وكان يراني في العذاب فهو عرسي |
قال ابن جهضم : وحدثني أبو الحسن علي بن محمّد الخوارزمي المصري قال أبو سعيد السّكري : قال أحمد بن عيسى الخرّاز : كنت في البادية فنالني جوع شديد ، فغلبتني نفسي أن أسأل الله عزوجل طعاما. فقلت : ليس هذا من أفعال المتوكلين ،
[١] كذا بالأصل ، والذي في الأنساب (الشقاق) أن الذي صحب الخراز هو أبو بكر محمد بن عبد الله الشقاق الصوفي. وفي حلية الأولياء : الدقاق.
[٢] الزيادة ضرورية لاستقامة المعنى.