الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٣٨ - حرب الحجاج مع ابن الأشعث وقتله
رب من أنضجت غيظا قلبه * قد تمنى لي موتا لم يطع ويراني كالشجى في حلقه * عسرا مخرجه ما ينتزع مربد يهدر ما لم يرني * فإذا أسمعته صوتي انقمع ويحييني إذا لاقيته * وإذا يخلو له الحمى رتع ورث البغضاء عن والده * حافظا منه الذي كان استمع ولساني صيرفي صارم * كذباب السيف ما مس قطع قال : فلما فرغ الحجاج من هذه الأبيات كبر ، ثم حمد الله بما هو أهله ، للذي كان من صنعه به وبجماعته ، فبينا هو كذلك ، إذ أتاه من يخبره أن ابن الأشعث قد انخزل من أصحابه في نفر يسير ، متوجها إلى ناحية خراسان ، فدعا الحجاج ابن عم له ، كان يعرفه بالنصيحة والهوى ، فقطع معه ليلا ، وأرسله في طلب ابن الأشعث إلى مواضع شتى ، وعهد إليهم أن لا يدركوا أحدا إلا أتوا به أو برأسه أو يموت ، فوقف الحجاج طويلا في مكانه ذلك المرتفع ينظر إلى معسكر ابن الأشعث ، وأصحابه ينتهبونه ، ثم رجع إلى معسكره فنزل ، ودخل فسطاطه فجلس ، وأذن لأصحابه فدخلوا عليه ، فقام كل واحد منهم يهنئه بالفتح ، وجعل ابن جبلة يأتيه بالأسرى ، فكلما أتى بأسير أمر به فضربت عنقه ، فكان ذلك فعله يومه ذلك إلى الليل ، فلما أصبح وتراجع إليه أكثر خيله ، أمر مناديه ينادي بالقفل [١] ، فقفل وقفلت معه أجناده ، وجميع أصحابه إلى مدينة واسط ، فكان فيها وهو الذي كان بناها ، قال : وضرب ابن الأشعث ظهرا لبطن ، ليلا ونهارا حتى لحق بخراسان ، ورجا في لحوقه بها النجاة من الحجاج ، والحذر لنفسه ، ولم يشعر بالخيل التي بعثت في طلبه حتى غشيته ، فلم تزل تطلبه من موضع إلى موضع ، حتى استغاث بقصر منيف ، فحصره ابن عم الحجاج فيه ، وأحاطت به الخيل من كل جانب ، حتى ضيق عليه ، ودعا بالنار ليحرقه في القصر ، فلما رأى ابن الأشعث أنه لا محيص له ولا ملجأ ، وخاف النار ، رمى بنفسه من بعض علالي القصر ، وطمع أن يسلم ولا يشعر به فيدخل في غمار الناس ، فيخفى أمره ، ويكتم خبره ، فسقط فانكسرت ساقه ، وانخذل ظهره ووقع مغشيا عليه ، قال : فشعر به أصحاب الحجاج فأخذوه ، وقد أفاق بعض الإفاقة ، ولا يقدر على النهوض فأتوا به إلى ابن عم الحجاج ، فلما رآه بتلك الحال أيقن أنه لا يقدر على أن يبلغ الحجاج حتى يموت ، فأمر به فضربت رقبته ، وانطلق برأسه إلى الحجاج ، فلما قدم عليه أحدث لله شكرا وحمدا
[١] القفل : الرجوع .