الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٩٠ - ما قال طاووس اليماني لسليمان بمكة
ووجد عليه الجاريتين تذودان [١] . فقال : ما لكما معين ؟ قالتا : لا ، فسقى لهما ، ثم تولى إلى الظل . فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ، ولم يسأل الله أجرا . فلما أعجل الجاريتان الانصراف [٢] ، أنكر ذلك أبوهما . فقال لهما : ما أعجلكما اليوم ؟ قالنا : وجدنا رجلا صالحا قويا سقى لنا . قال : ما سمعتماه يقول ؟ قالتا : تولى إلى الظل وهو يقول رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير . فقال ينبغي لهذا أن يكون جائعا . تنطلق إحداكما له ، فتقول له إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا ، فأتته إحداهما تمشي على استحياء : أي على إجلال له : قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا . فجزع موسى من ذلك ، وكان طريدا في الفيافي والصحارى . فقال لها : قولي لأبيك إن الذي سقى يقول : لا أقبل أجرا على معروف اصطنعته ، فانصرفت إلى أبيها فأخبرته . فقال : اذهبي فقولي له : أنت بالخيار بين قبول ما يعرض عليك أبي وبين تركه ، فأقبل ، فإنه يحب أن يراك ، ويسمع منك ، فأقبل والجارية بين يديه ، فهبت الريح فوصفتها له ، وكانت ذات خلق كامل . فقال لها : كوني ورائي ، وأريني سمت الطريق . فلما بلغ الباب قال : استأذني لنا ، فدخلت على أبيها ، فقالت : إنه مع قوته لأمين . فقال شعيب : وبم علمت ذلك ؟ فأخبرته ما كان من قوله عند هبوب الريح عليها . فقال : أدخليه فدخل ، فإذا شعيب قد وضع الطعام ، فلما سلم رحب به وقال أصب من طعامنا يا فتى . فقال موسى : أعوذ بالله . قال شعيب : لم ؟
قال : لأني من بيت قوم لا نبيع ديننا بملء الأرض ذهبا . قال شعيب : لا والله ما طعامي لما تظن ، ولكنه عادتي وعادة آبائي : نقري الضيف ، ونطعم الطعام ، فجلس موسى فأكل . وهذه الدنانير يا أمير المؤمنين إن كانت ثمنا لما سمعت من كلامي ، فإن أكل الميتة والدم في حال الضرورة ، أحب إلي من أن آخذها . فأعجب سليمان بأمره إعجابا شديدا .
فقال بعض جلسائه : يا أمير المؤمنين ، إن الناس كلهم مثله . قال : لا . قال الزهري :
إنه لجاري منذ ثلاثين سنة ، ما كلمته قط . فقال أبو حازم : صدقت ، لأنك نسيت الله ونسيتني ، ولو ذكرت الله لذكرتني . قال الزهري : أتشتمني ؟ قال له سليمان : بل أنت شتمت نفسك ، أو ما علمت أن للجار على الجار حقا . قال أبو حازم : إن بني إسرائيل
[١] تذودان : تمنعان غنمهما من السقي حتى يسقي الناس وهذا إشارة إلى قوله تعالى في سورة القصص عن موسى عليه السلام ( ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان ) .
[٢] أي لما انصرفتا بسرعة عن عادتهما .