الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٧ - إخراج بني أمية عن المدينة ، وذكر قتال أهل الحرة
لا يحب كل مختال فخور ) . قال : فغضب يزيد ، وجعل يعبث بلحيته ، وقال : ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ، ويعفو عن كثير ) يا أهل الشام ما ترون في هؤلاء ؟ فقال رجل من أهل الشام لا تتخذن من كلب سوء جروا . فقال النعمان بن بشير : يا أمير المؤمنين !
اصنع بهم ما كان يصنع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لو رآهم بهذه الحال . فقالت فاطمة بنت الحسين : يا يزيد بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فبكى يزيد حتى كادت نفسه تفيض ، وبكى أهل الشام حتى علت أصواتهم . ثم قال : خلوا عنهم ، واذهبوا بهم إلى الحمام ، واغسلوهم ، واضربوا عليهم القباب ، ففعلوا ، وأمال عليهم المطبخ وكساهم ، وأخرج لهم الجوائز الكثيرة من الأموال والكسوة ثم قال : لو كان بينهم وبين عاض بظر أمه [١] نسب ما قتلهم ، ارجعوا بهم إلى المدينة . قال : فبعث بهم من صار إلى المدينة .
إخراج بني أمية عن المدينة ، وذكر قتال أهل الحرة قال : وذكروا في قصة إخراج بني أمية عن المدينة ، قالوا : بعث عثمان بن محمد أمير المدينة إلى يزيد بقميصه مشقوقا ، وكتب إليه : وا غوثاه ! إن أهل المدينة أخرجوا قومنا من المدينة .
قال أبو معشر : فخرج يزيد بعد العتمة ، ومعه شمعتان شمعة عن يمينه ، وشمعة عن يساره ، وعليه معصفرتان ، وقد نقش جبهته كأنها ترس ، فصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال :
أما بعد ، يا أهل الشام ، فإنه كتب إلي عثمان بن محمد أن أهل المدينة أخرجوا قومنا من المدينة ، ووالله لأن تقع الخضراء على الغبراء أحب إلي من هذا الخبر . قال : وكان معاوية أوصى يزيد فقال له : إن رابك من قومك ريب ، أو تنقص عليك منهم أحد ، فعليك بأعور بني مرة ، فاستشره ، يعني مسلم بن عقبة ، فلما كانت تلك الليلة قال يزيد : أين مسلم بن عقبة ؟ فقام فقال : ها أنا ذا . قال عبئ ثلاثين ألفا من الخيل . قال وكان معقل بن سنان الأشجعي نازلا على مسلم بن عقبة . فقال له مسلم بن عقبة : إن أمير المؤمنين أمرني أن أتوجه إلى المدينة في ثلاثين ألفا . فقال له : استعفه . قال : لا . قال : فاركب فيلا أو فيلة ، وتكون أبا يكسوم [٢] ، فمرض مسلم قبل خروجه من الشام ، فأدنف فدخل عليه يزيد ابن معاوية يعوده ، قال له : قد كنت وجهتك لهذا البعث ، وكان أمير المؤمنين معاوية
[١] عاض بظر أمه : كناية عن أحط الناس ، لأن البظر هو ما بين اسكتي الفرج ( الزنبور ) والذي يعض بظر أمه يكون أحقر الناس .
[٢] أبو يكسوم : كنية أبرهة الحبشي صاحب الفيل الذي أتى به ليهدم الكعبة .