الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٥٧ - غزوة موسى في البحر
إلى عبد العزيز ببلاء زرعة بن أبي مدرك وما أوصله ، وأنه لولا ذلك أوفده إلى أمير المؤمنين ، ففرض له عبد العزيز في مئة ، وفرض لثلاثين رجلا من قومه ، وانصرف موسى قافلا ، وذلك في سنة أربع وثمانين .
غزوة موسى في البحر قال : وذكروا أن موسى أقام بالقيروان بعد قفله شهر رمضان وشوال ، فأمر بدار صناعة بتونس [١] وجر البحر إليها [٢] ، فعظم عليه الناس ذلك ، وقالوا له : هذا أمر لا نطيقه ، فقام إلى موسى رجل من مسالمة البربر ، ممن حسن إسلامه ، فقال له : أيها الأمير ، قد مر على مئة وعشرون سنة ، وإن أبي حدثني أن صاحب قرطا جنة لما أراد بناء قناتها ، أتاه الناس يعظمون عليه ذلك فقام إليه رجل فقال له : أيها الملك : إنك إن وضعت يدك بلغت منها حاجتك ، فإن الملوك لا يعجزها شئ بقوتها وقدرتها ، فضع يدك أيها الأمير ، فإن الله تعالى سيعينك على ما نويت ، ويأجرك فيما توليت . فسر بذلك موسى ، وأعجبه قول هذا الشيخ . فوضع يده ، فبنى دار صناعة بتونس ، وجر البحر إليها مسيرة اثنى عشر ميلا ، حتى أقحمه دار الصناعة ، فصارت مشتى للمراكب إذا هبت الأنواء والأرياح . ثم أمر بصناعة مئة مركب ، فأقام بذلك بقية سنة أربع وثمانين ، وقدم عطاء بن أبي نافع الهذلي في مراكب أهل مصر ، وكان قد بعثه عبد العزيز يريد سردانية ، فأرسى بسوسة ، فأخرج إليه موسى الأسواق ، وكتب إليه أن ركوب البحر قد فات في هذا الوقت وفي هذا العام . فأقم لا تغرر بنفسك . فإنك في تشرين الآخر ، فأقم بمكانك حتى يطيب ركوب البحر قال : فلم يرفع عطاء لكتاب موسى رأسا [٣] ، وشحن مراكبه ، ثم رفع فسار حتى أتي جزيرة يقال لها سلسلة ، وافتتحها ، وأصاب فيها مغانم كثيرة ، وأشياء عظيمة من الذهب والفضة والجواهر ، ثم انصرف قافلا ، فأصابته ريح عاصف ، فغرق عطاء وأصحابه ، وأصيب الناس ، ووقعوا بسواحل أفريقية . فلما بلغ ذلك موسى ، وجه يزيد بن مسروق في خيل إلى سواحل البحر ، يفتش على ما يلقى البحر من سفن عطاء وأصحابه فأصاب تابوتا منحوتا قال :
فمنه كان أصل غناء يزيد بن مسروق . قال : ولقد لقيت شيخا متوكئا على قصبة ، فذهبت
[١] هي ترسانة بناء السفن وميناء تأوي إليه .
[٢] جر إليها البحر : حفر قناة واسعة توصل مياه البحر إليها وذلك تأمينا للسفن وحرصا على عدم تأثرها بعواصف البحر وأمواجه المتلاطمة .
[٣] أي لم يهتم به ولم يعمل بمضمونه ، وتفذ ما يريد .