الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٥٥ - فتح سجوما
فتح سجوما قال : وذكروا أنه لما كان سنة ثلاث وثمانين ، قدم على موسى نجدة عبد الله بن موسى في طالعة أهل مصر . فلما قدم عليه ، أمر الناس بالجهاد والتأهب ، ثم غزا يريد سجوما وما حولها ، واستخلف عبد الله بن موسى على القيروان ، ثم خرج وهو في عشرة آلاف من المسلمين ، وعلى مقدمته عياض بن عقبة ، وعلى ميمنته زرعة بن أبي مدرك ، وعلى ميسرته المغيرة بن أبي بردة القرشي ، وعلى ساقته نجدة بن مقسم ، فأعطى اللواء ابنه مروان ، فسار حتى إذا كان بمكان يقال له سجن الملوك ، خلف به الأثقال ، وتجرد في الخيول ، وخلف على الأثقال عمرو بن أوس في ألف ، وسار بمن معه حتى انتهى إلى نهر يقال له ملوية ، فوجده خاملا ، فكره طول المقام عليه ، خوفا من نفاد الزاد ، وأن يبلغ العدو مخرجه ومكانه ، فأحدث مخاضة غير مخاضة عقبة بن نافع ، وكره أن يجوز عليها . فلما أجاز وانتهى إليهم : وجدهم قد أنذروا به وتأهبوا ، وأعدوا للحرب ، فاقتتلوا قتالا شديدا في جبل منيع ، لا يوصل إليهم إلا من أبواب معلومة ، فاقتتلوا يوم الخميس ويوم الجمعة ويوم السبت إلى العصر ، فخرج إليهم رجل من ملوكهم ، فوقف والناس مصطفون ، فنادى بالمبارزة ، فلم يجبه أحد ، فالتفت موسى إلى مروان ابنه ، فقال له :
اخرج إليه أي بني ، فخرج إليه مروان ، ودفع اللواء إلى أخيه عبد العزيز بن موسى . فلما رآه البربري ضحك ، ثم قال له : ارجع ، فإني أكره أن أعدم منك أباك . وكان حديث السن .
قال : فحمل عليه مروان فرده ، حتى ألجأه إلى جبله ، ثم إنه زرق مروان بالمزراق ، فتلقاه مروان بيده وأخذه ، ثم حمل مروان عليه وزرقه به زرقة وقعت في جنبه ، ثم لحقت حتى وصلت إلى جوف برذونه ، فمال فوقع به البرذون ثم التقى الناس عليه فاقتتلوا قتالا شديدا أنساهم ما كان قبله ، ثم إن الله هزمهم ، وفتح للمسلمين عليهم ، وقتل ملكهم كسيلة بن لمزم وبلغ سبيهم مئتي ألف رأس ، فيهم بنات كسيلة ، وبنات ملوكهم ، وما لا يحصى من النساء السلسات ، اللاتي ليس لهن ثمن ولا قيمة . قال فلما وقفت بنات الملوك بين يدي موسى ، قال : علي بمروان ابني .
قال : فأتى به قال له : أي بني اختر . قال : فاختار ابنة كسيلة فاستسرها [١] ، فهي أم عبد الملك بن مروان هذا . قال : قاتل يومئذ زرعة بن أبي مدرك قتالا شديدا أبلى فيه حتى اندقت ساقه قال : فآلى موسى أن لا يحمل إلا على رقاب الرجال ، حتى يدخل القيروان ، وأن يحمله خمسون رجلا ، كل يوم يتعاقبون بينهم ، ثم انصرف موسى وقد دانت له البلاد كلها ، وجعل
[١] استسرها : اتخذها سرية أي مملوكة تزوج بها فولدت له .