الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٤٧ - موت عبد الملك وبيعة الوليد
الوليد وسليمان ، إن زلا فشلهما [١] وإن مالا فأقمهما ، وإن غفلا فذكرهما ، وإن ناما فأيقظهما ، وقد أوصيتهما بك ، وعهدت إليهما أن لا يقطعا شيئا دونك . فقال عمر بن عبد العزيز :
يا أمير المؤمنين أوصيتهما بكتاب الله فليقيماه في عباده وبلاده ، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فليحيباها ، ويحملا الناس عليها ؟ فقال عبد الملك : قد فعلت ووليي فيكم الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين . ثم قال : وقد علمت يا عمر مكان فاطمة مني ، ومحلها من قلبي ، وإني آثرتك بها على جميع آل مروان ، لفضلك وورعك ، فكن عند ظني بك ، ورجائي فيك ، وقد علمت أنك غير مقصر ، ولا مضيع حقها ، ولكن الله قد قضى أن الذكرى تنفع المؤمنين ، قوموا عصمكم الله وكفاكم . ثم خرجوا من عنده . قال : ثم دعا عبد الملك بالوليد وسليمان ، فدخلا عليه . فقال للوليد . اسمع يا وليد ، قد حضر الوداع ، وذهب الخداع ، وحل القضاء . قال : فبكى الوليد . فقال له عبد الملك :
لا تعصر عينيك علي كما تعصر الأمة الوكساء [٢] ، إذا أنا مت فاغسلني ، وكفني ، وصل علي وأسلمني إلى عمر بن عبد العزيز يدليني في حفرتي ، واخرج أنت إلى الناس ، والبس لهم جلد نمر ، واقعد على المنبر ، وادع الناس إلى بيعتك ، فمن مال بوجهه عنك كذا ، فقل له بالسيف كذا ، وتنكر للصديق والقريب ، واسمح للبعيد ، وأوصيك بالحجاج خيرا ، فإنه هو الذي وطأ لكم المنابر ، وكفاكم تقحم تلك الجرائم .
قال : فلما توفي عبد الملك ، ومات من يومه ذلك ، خرج الوليد إلى الناس ، وقعد على المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : نعمة ما أجلها ، ومصيبة ما أعظمها ، وإنا لله وإنا إليه راجعون . نقل الخلافة ، وفقد الخليفة ، ثم دعا الناس إلى البيعة ، فلم يختلف عليه أحد ، ثم كان أول ما ظهر من أمره ، وتبين من حكمه ، أن أمر بهدم كل دار ومنزل ، من دار عبد الملك إلى قبره ، فهدمت من ساعتها ، وسويت بالأرض ، لئلا يعرج بسرير عبد الملك يمينا وشمالا ، وليكون النهوض به إلى حفرته تلقاء منزله ، ثم كتب ببيعته إلى الآفاق والأمصار ، وإلى الحجاج بالعراق فبايع له الناس ولم يختلف عليه أحد . فدخل عليه سليمان بن عبد الملك . فقال له : يا أمير المؤمنين ، اعزل الحجاج بن يوسف عن العراقين فإن الذي أفسد الله به أكثر مما أصلح . فقال له الوليد : إن عبد الملك قد أوصاني به خيرا . فقال سليمان : عزل الحجاج والانتقام منه من طاعة الله ، وتركه من معصية الله .
[١] شلهما : ارفعهما وأنهضهما ، لأن الزلل العثور والسقوط .
[٢] الوكساء : الخسيسة .