الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٤٤ - ذكر بيعة الوليد وسليمان بن عبد الملك
إن أشهدك يا حجاج أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، أسحفظكهن يا حجاج حتى ألقاك . فلما أدبر ضحك . قال الحجاج : ما يضحكك يا سعيد ؟ قال :
عجبت من جرأتك على الله ، وحلم الله عليك ! قال الحجاج : إنما أقتل من شق عصا الجماعة ومال إلى الفرقة التي نهى الله عنها ، اضربوا عنقه . قال سعيد : حتى أصلي ركعتين ، فاستقبل القبلة وهو يقول : وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين . قال الحجاج : اصرفوه عن القبلة إلى قبلة النصارى ، الذين تفرقوا واختلفوا بغيا بينهم ، فإنه من حزبهم ، فصرف عن القبلة . فقال سعيد : فأينما تولوا فثم وجه الله الكافي بالسرائر . . قال الحجاج : لم نوكل بالسرائر ، وإنما وكلنا بالظواهر . قال سعيد : اللهم لا تترك له ظلمي ، واطلبه بدمي ، واجعلني آخر قتيل يقتل من أمة محمد . فضربت عنقه . ثم قال الحجاج هاتوا من بقي من الخوارج ، فقرب إليه جماعة فأمر بضرب أعناقهم ، وقال : ما أخاف إلا دعاء من هو في ذمة الجماعة من المظلومين ، فأما أمثال هؤلاء فإنهم ظالمون حين خرجوا عن جمهور المسلمين ، وقائد سبيل المتوسمين .
وقال قائل : إن الحجاج لم يفرغ من قتله حتى خولط في عقله ، وجعل يصيح : قيودنا ، يعني القيود التي كانت في رجل سعيد بن جبير ، ويقول : متى كان الحجاج يسأل عن القيود أو يعبأ بها ؟ وهذا يمكن القول فيه لأهل الأهواء في الفتح والاغلاق .
ذكر بيعة الوليد وسليمان ابني عبد الملك قال : وذكروا أنه لما فرغ الحجاج من قتل الخوارج ، وتم له أمر العراق ، فاستقر ملك عبد الملك ، كتب إليه الحجاج أن يبايع للوليد ابنه ، ويكتب له عهده للناس ؟ فأبى ذلك عبد الملك ، لأن أخاه عبد العزيز كان حيا ، وكان قد استعمله عبد الملك على مصر ، وكتب إلى الحجاج يوبخه ، ويقول له مالك أنت والتكلم بهذه ؟ وكانت البيعة بالشام لهما جميعا ، إذ مات مروان ، وكان عبد العزيز نظير عبد الملك في الحزم والرأي والعقل والذكاء ، وكان عبد الملك لا يفضل عبد العزيز في شئ إلا باسم الخلافة : حتى لربما كان عبد الملك يأمر بالشئ ، فيريد عبد العزيز غيره ، ويرى خلافه ، فيرده إلى رأيه ولا يمضيه ، وكان لا ينكر ذلك عبد الملك ، فلما كانت سنة إحدى وثمانين عقد عبد الملك لموسى بن نصير على إفريقية وما حولها ، ووجهه إلى من بها من البربر يقاتلهم ، وضم إليه برقة ، فلما قدم موسى بن نصير متوجها ، انتهى ذلك إلى عبد العزيز ، فرده من مصر إلى الشام ، وبعث قرة بن حسان الثعلبي : فانصرف موسى بن نصير إلى الشام لعبد الملك ، وذكر امتهانا ناله من عبد العزيز وما استقبله به إلى كلام