الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٤٣ - ذكر قتل سعيد بن جبير
لست عليهم بوكيل ، كل امرئ بما كسب رهين . قال الحجاج : اشتمهم أم أمدحهم ؟ قال سعيد : لا أقول ما لا أعلم ، إنما استحفظت أمر نفسي . وقال الحجاج : أيهم أعجب إليك ؟
قال : حالاتهم يفضل بعضهم على بعض . قال الحجاج : صف لي قولك في علي . أفي الجنة هو ، أم في النار ؟ قال سعيد : لو دخلت الجنة فرأيت أهلها علمت ، ولو رأيت من في النار علمت ، فما سؤالك عن غيب قد حفظ بالحجاب ؟ قال الحجاج : فأي رجل أنا يوم القيامة ؟ فقال سعيد :
أنا أهون على الله من أن يطلعني على الغيب . قال الحجاج : أبيت أن تصدقني ؟ قال سعيد : بل لم أرد أن أكذبك . فقال الحجاج فدع عنك هذا كله ، أخبرني ما لك لم تضحك قط ؟ قال :
لم أر شيئا يضحكني ، وكيف يضحك مخلوق من طين ، والطين ، والطين تأكله النار ، ومنقلبه إلى الجزاء ، واليوم يصبح ويمسي في الابتلاء . قال الحجاج : فأنا أضحك . فقال سعيد : كذلك خلقنا الله أطوارا . قال الحجاج هل رأيت شيئا من اللهو ؟ قال : لا أعلمه . فدعا الحجاج بالعود والناي . قال : فلما ضرب بالعود ، ونفخ في الناي بكى سعيد . قال الحجاج : ما يبكيك ؟
قال : يا حجاج ذكرتني أمرا عظيما ، والله لا شبعت ولا رويت ولا اكتسيت ، ولا زلت حزينا لما رأيت . قال الحجاج : وما كنت رأيت هذا اللهو ؟ فقال سعيد : بل هذا والله الحزن يا حجاج ، أما هذه النفخة ، فذكرتني يوم النفخ في الصور ، وأما هذا المصران [١] فمن نفس ستحشر معك إلى الحساب ، وأما هذا العود فنبت بحق ، وقطع لغير حق . فقال الحجاج :
أنا قاتلك . قال سعيد : قد فرغ من تسبب في موتي . قال الحجاج : أنا أحب إلى الله منك ؟ قال سعيد : لا يقدم أحد على ربه حتى يعرف منزلته منه ، والله بالغيب أعلم . قال الحجاج : كيف لا أقدم على ربي في مقامي هذا ، وأنا مع إمام الجماعة ، وأنت مع إمام الفرقة والفتنة ؟ قال سعيد : ما أنا بخارج عن الجماعة ، ولا أنا براض عن الفتنة ، ولكن قضاء الرب نافذ لا مرد له . قال الحجاج : كيف ترى ما نجمع لأمير المؤمنين ؟ قال سعيد : لم أر ، فدعا الحجاج بالذهب والفضة ، والكسوة والجوهر ، فوضع بين يديه . قال سعيد : هذا حسن إن قمت بشرطه . قال الحجاج : وما شرطه ؟ قال : أن تشتري له بما تجمع الأمن من الفزع الأكبر يوم القيامة ، وإلا فإن كل مرضعة تذهل عما أرضعت ، ويضع كل ذي حمل حمله ، ولا ينفعه إلا ما طاب منه . قال الحجاج : فترى طيبا ؟ قال : برأيك جمعته ، وأنت أعلم بطيبه . قال الحجاج : أتحب أن لك شيئا منه ؟ قال : لا أحب ما لا يحب الله . قال الحجاج : ويلك .
قال سعيد : الويل لمن زحزح عن الجنة فأدخل النار . قال الحجاج : اذهبوا به فاقتلوه . قال :
[١] المراد بالمصران : الأوتار التي يضرب عليها ، لأنها مأخوذة من مصارين الحيوانات .