الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٣٣ - حرب الحجاج مع ابن الأشعث وقتله
الرداء ، لا إلى معادن السي ، والتقحم في الغي ، فإني أحمد الله الذي خلاك في حيرتك ، إذ بهتك في السيرة ، ووهلك للضرورة حق أقحمك أمورا أخرجت بها عن طاعته ، وجانبت ولايته ، وعسكرت بها في الكفر ، وذهلت بها عن الشكر ، فلا تشكر في السراء ، ولا تصبر في الضراء أقبلت مستنا بحريم الحرة ، وتستوقد الفتنة لتصلى بحرها ، وجلبت لغيرك ضرها ، وقلت وثاق الاحتجاج ، ومبارزة الحجاج ، ألا بل لأمك الهبل ، وعزة ربك لتكبن لنحرك [١] .
ولتقلبن لظهرك ، ولتتخبطن فريصتك [٢] ، ولتدحضن حجتك ولتذمن مقامك ، ولتشتغلن سهامك ، كأني بك تصير إلى غير مقبول منك . إلا السيف هوجا هوجا ، عند كشوف الحرب عن ساقها ، ومبارزة أبطالها ، والسلام على من أناب إلى الله وسمع وأجاب . ثم قال : من ها هنا من فتية بني الأشعث بن قيس ؟ قيل سعيد بن جبير . قال : فأتى به . قال له : انطلق بهذا الكتاب إلى هذا الطاغية ، الذي قد فتن وفتن ، فاردعه عن قبيح ما دخل فيه ، وعظيم ما أصر عليه من حق الله ، وحرمة ما انتهك عدو الله ، إلى ما في ذلك من سفك الدماء ، وإباحة الحريم ، وإنفاق الأموال ، فإني لولا معرفتي بأنك قد حويت علما ، وأصبت فقها ، أخاف أن يكون عليك لا لك ، لعهدت لك به عهدا تقفل به ، ولكن انطلق مرتك هذه قبل الكتاب إليه ، واحمله على البريد . فخرج سعيد به متوجها ، حتى انتهى إليه .
فلما قرأ عبد الرحمن الكتاب ، تبينت رعشته جزعا منه ، وهيبة له ، وسمع بذلك من كان يتابعه ، وهوى كل ذي هوى ، وضم سعيد بن جبير فلم يظهره للناس ، وكتم الكتاب وجعل يستخلي بابن جبير في الليل فيسمر معه ، ويسأله عبد الرحمن الدخول معه فيما رأى هو من خلع الحجاج ، فأبى سعيد ذلك عليه ، فمكث بذلك شهرا كريتا [٣] . فأسعفه سعيد بن جبير بطلبته ، وسارع معه في رغبته ، وخلعان طاعة الحجاج ، ثم إن عبد الرحمن ، تجهز من سجستان مقبلا ، يقود من يقوده من أهل هواه وأهل رأيه ، وخرج الحجاج إليه بمن معه من أجناده من أهل الشام ، وبمن معه يومئذ من أهل الطاعة من أهل العراق ، حتى لقيه
[١] تكبن لنحرك : الكب : الإلقاء ، والنحر موضع الذبح من الحيوان ، أي لتلقين على وجهك .
[٢] الفريصة : داخل الفخز أي الجزء غير الظاهر من الفخز ، ومعنى تخبط الفريصة اضطرابها ، وهذا يحدث عند الخوف ، يقال ارتعدت فرائصه أي خاف
[٣] كريتا : كاملا .