الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٣٠ - حرب الحجاج مع ابن الأشعث وقتله
صلة لصهره ، وحبا لإتمام الصنيعة إليه ، وإلى جميع أهله . فأقام عبد الرحمن كذلك حينا مع الحجاج ، لا يزيده الحجاج إلا إكراما ، ولا يظهر له إلا قبولا ، وفي نفس الحجاج من عجبه ما فيها ، لتشمخه زاهيا بأنفه حتى إنه كان ليقول إذا رآه مقبلا : أما والله يا عبد الرحمن ، إنك لتقبل علي بوجه فاجر ، وتدبر عني بقفاء غادر ، وأيم الله لتبتلين حقيقة أمرك على ذلك .
فمكث بهذا القول منه دهرا ، حتى إذا عيل صبر الحجاج على ما يتطلع من عبد الرحمن ، أراد أن يبتلي حقيقة ما يتفرس فيه من الغدر والفجور ، وأن يبدي منه ما يكتم من غائلته ، فكتب إليه عهده على سجستان . فلما بلغ ذلك أهل بيت عبد الرحمن ، فزعوا من ذلك فزعا شديد ، فأتوا الحجاج ، فقالوا له : أصلح الله الأمير ، إنا أعلم به منك ، فإنك به غير عالم ، ولقد أدبته بكل أدب ، فأبى أن ينتهي عن عجبه بنفسه ، ونحن نتخوف أن يفتق فتقا ، أو يحدث حدثا ، يصيبنا فيه منك ما يسوؤنا . فقال الحجاج : القول كما قلتم ، والرأي كالذي رأيتم ، ولقد استعملته على بصيرة ، فإن يستقم فلنفسه نظر ، وإن يفترج سبيله عن بصائر الحق يهد إليها إن شاء الله .
فلما توجه عبد الرحمن إلى عمله ، توجه وهو مصر لخلعان طاعة الحجاج ، وسار بذلك مسيره أجمع حتى نزل مدينة سجستان ، ثم مر على خلعانه عام كامل ، فلما أجمع عبد الرحمن على إظهار خلعان الحجاج ، كتب إلى أيوب بن القرية التميمي ، وهو مع الحجاج في عسكره ، خاص المنزلة منه ، وكان مفوها كليما يسأله أن يصدر إليه رسالة الحجاج ، يخلع فيها طاعة الحجاج ، فكتب له ابن القرية رسالة فيها : بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ، إلى الحجاج ابن يوسف : سلام على أهل طاعة الله ، أوليائه الذين يحكمون بعدله ، ويوفون بعهده ، ويجاهدون في سبيله ، ويتورعون لذكره ، ولا يسفكون دما حراما ، ولا يعطلون للرب أحكاما ، ولا يدرسون له أعلاما ، ولا يتنكبون النهج ، ولا يبرمون السي ، ولا يسارعون في الغي ، ولا يدللون الفجرة ، ولا يترضون الجورة ، بل يتمكنون عند الاشتباه ، ويتراجعون عند الإساءة . أما بعد : فإني أحمد إليك الله حمدا بالغا في رضاه ، منتهيا إلى الحق في الأمور الحقيقية لله علينا . وبعد : فإن الله أنهضني لمصاولتك ، وبعثني لمناضلتك ، حين تحيرت أمورك ، وتهتكت ستورك ، فأصبحت عريان حيران ، مبهتا [١] لا توافق وفقا ، ولا ترافق رفقا . ولا تلازم صدقا ، أؤمل من الله الذي ألهمني ذلك ، أن يصيرك في حبالك ، أو أن يجئ بك في القرن [٢] ، ويسحبك للذقن [٣] وينصف منك من لم تنصفه من نفسك ،
[١] مبهتا : منسوبا إلى البهتان والزيغ .
[٢] القرن : بفتح القاف والراء الحبل : يريد أن يأتي أسيرا .
[٣] أي تجر على وجهك .