الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٢٩ - حرب الحجاج مع ابن الأشعث وقتله
الأمير أصلحه الله يحمل على الأدهم [١] والأشقر . قال الحجاج : إنه لحديد .
قال الغضبان : لأن يكون حديدا [٢] خير من أن يكون بليدا . قال الحجاج :
اذهبوا به إلى السجن ، قال الغضبان : ( فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون ) .
فاستمر في السجن إلى أن بنى الحجاج خضراء واسط ، فقال لجلسائه : كيف ترون هذه القبة ؟ قالوا : ما رأينا مثلها قط . قال الحجاج : أما إن لها عيبا فما هو ؟ قالوا : ما نرى بها عيبا . قال : سأبعث إلى من يخبرني به ، فبعث ، فأقبل بالغضبان وهو يرسف في قيوده ، فلما مثل بين يديه . قال له يا غضبان : كيف قبتي هذه ؟ قال : أصلح الله الأمير نعمت القبة ! حسنة مستوية ! قال : أخبرني بعيبها ؟ قال : بنيتها في غير بلدك ، لا يسكنها ولدك ، ومع ذلك فإنه لا يبقى بناؤها ، ولا يدوم عمرانها ، وما لا يبقى ولا يدوم ، فكأنه لم يكن . قال الحجاج :
صدق ، ردوه إلى السجن . فقال الغضبان : أصلح الله الأمير ، قد أكلني الحديد ، وأوهن ساقي القيود ، وما أطيق المشي . قال : احملوه . فلما حمل على الأيدي قال : ( سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ) قال : أنزلوه ، فلما أنزلوه . قال : ( رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين ) .
قال الحجاج : جروه . قال الغضبان وهو يجر : ( بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم ) . قال الحجاج : اضربوا به الأرض ، فقال : ( منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى ) فضحك الحجاج حتى استلقى على قفاه ثم قال : ويحكم ، قد غلبني والله هذا الخبيث ، أطلقوه إلى صفحي عنه . قال الغضبان : ( فاصفح عنهم وقل سلام ) . فنجا من شره بإذن الله ، وكانت براءته فيما انطلق على لسانه .
حرب الحجاج مع ابن الأشعث وقتله قال : وذكروا أن الحجاج لما قدم العراق أميرا ، زوج ابنه محمدا ميمونة بنت محمد بن الأشعث ابن قيس الكندي ، رغبة في شرفها ، مع ما كانت عليه من جمالها ، وفضلها في جميع حالاتها ، وأراد من ذلك ، استمالة جميع أهلها وقومها إلى مصافاته ، ليكونوا له يدا على من ناوأه ، وكان لها أخ يقال له عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الكندي ، له أبهة في نفسه . وكان جميلا بهيا منطقيا ، مع ما كان له من التقدم والشرف ، فازدهاه ذلك وملأه كبرا وفخرا وتطاولا ، فألزمه بنفسه ، وألحقه بأفاضل أصحابه وخاصته وأهل سره ، وأجرى عليه العطايا الواسعة ،
[١] يريد الفرس الأدهم وهو الأسود والفرس الأشقر وهو الأبيض .
[٢] أراد الغضبان بالفرس الحديد : السريع .