الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ١٧٤ - وفاة الرشيد والمأمون خارج العراق - اتصال أشرار العراق بالأمين وإيغار صدره على أخيه الأمين
فقال لها الرشيد : ويحك ! إنما هي أمة محمد ، ورعاية من استرعاني الله تعالى مطوقا بعنقي وقد ، عرفت ما بين ابني وابنك ، ليس ابنك يا زبيدة أهلا للخلافة ، ولا يصلح للرعاية . قالت : ابني والله خير من ابنك ، وأصلح لما تريد ، ليس بكبير سفيه ، ولا صغير فهيه ، وأسخى من ابنك نفسا ، وأشجع قلبا . فقال هارون : ويحك ! إن ابنك قد زينه في عينك ما يزين الولد في عين الأبوين ، فاتقي الله ، فوالله إن ابنك لأحب إلي ، إلا أن الخلافة لا تصلح إلا لمن كان لها أهلا ، ولها مستحقا ، ونحن مسؤولون عن هذا الخلق ، ومأخوذون بهذا الأنام ، فما أغنانا أن نلقى الله بوزرهم ، وننقلب إليه بإثمها ، فاقعدي حتى أعرض عليك ما بين ابني وابنك ، فقعدت معه على الفراش ، فدعا ابنه عبد الله المأمون ، فلما صار بباب المجلس سلم على أبيه بالخلافة ، فأذن له بالجلوس فجلس ، وأمر له فتكلم ، فحمد الله على ما من به عليه من رؤية أبيه ، ورغب إليه في تعجيل الفرج مما به ، ثم استأذن في الدنو من أبيه ، فدعا منه ، وجعل يلثم أسافل قدميه ويقبل باطن راحتيه ، ثم انثنى ساعيا إلى زبيدة ، فأقبل على تقبيل رأسها ، ومواضع ثدييها ، ثم انحنى إلى قدميها ، ثم رجع إلى مجلسه . فقال الرشيد : يا بني إني أريد أن أعهد إليك عهد الإمامة ، وأقعدك مقعد الخلافة ، فإني قد رأيتك لها أهلا وبها حقيقا ، فاستعبر عبد الله المأمون باكيا ، وصاح منتحبا يسأل الله العافية من ذلك ، ويرغب إليه أن لا يريه فقد ، أبيه . فقال له : يا بني إني أراني لما بي وأنت أحق ، وسلم الأمر لله ، وارض به ، واسأله العون عليه ، فلا بد من عهد يكون في يومي هذا . فقال عبد الله المأمون : يا أبتاه ، أخي أحق مني وابن سيدتي ، ولا إخال إلا أنه أقوى على هذا الأمر مني ، ثم أذن له فقام خارجا . ثم دعا هارون بابنه محمد ، فأقبل يجر ذيله ، ويتبختر في مشيته ، فمشى داخلا بنعليه قد نسي السلام ، وذهل عن الكلام ، نخوة وتجبرا ، وتعظما وإعجابا ، فمشى حتى صار مستويا مع أبيه على الفراش . فقال هارون : ما تقول أي بني ، فإني أريد أن أعهد إليك ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ومن أحق بذلك مني ، وأنا أسن ولدك ، وابن قرة عينك . فقال هارون : اخرج يا بني ، ثم قال لزبيدة : كيف رأيت ما بين ابني وابنك ؟ فقالت : ابنك أحق بما تريد ، فكتب عهد عبد الله المأمون ، ثم محمد الأمين بعده .
فلما كان سنة خمس وتسعين ومئة ، توفي الرشيد رحمه الله ، وعبد الله المأمون خارج عن العراق ، وكان وجهه أبوه بالجيوش إلى بعض الفرس لشئ بلغه عنهم ، فلظ [١] بمحمد الأمين قوم من شرار أهل العراق . فقيل له : معك الأموال والرجال والقصور ، فادفع في نحر أخيك
[١] لظ به : اتصل به وتقرب إليه .