الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ١٧٣ - ذكر قدوم جرير بن الخطفى على عمر بن عبد العزيز
المؤمنين ما كان معجلا ، وإلا فأذن لي فأعلمه ، فإني أخاف علينا يوم سوء إن تأخر هذا ، وبلغه من غيرنا ، وإعلامك له في هذا الوقت يسقط عنا ذلك الذنب ، فهي أحق بالعقوبة منك قال : جعفر : لا والله لا أعلمته به أبدا ، فالموت علي أيسر منه ، وأرجو الله أن لا يطلعه عليه ، فقال له يحيى : لا تظن هذا يخفى عليه ، فأطعني اليوم وأعلمه . فقال جعفر : والله لا أفعل هذا أبدا ولا أتكلم به ، وبالله أستعين ، فلم يرع الرشيد إلا أن رفعت إليه جارية من جواريها رقعة ، وأعلمت ذلك فيها فاستحق ذلك عند الرشيد باستعفاء جعفر لما كان من إتحافها ، واعتذاره بالعلة من غير مرض ينهكه ، فغفل عنه الرشيد ، ولم ير لذلك جفوة ، ولا زاد له إلا كرامة ، ولا لديه إلا حرمة ورفعة ، حتى قرب وقت الهلاك ، ودنا منقلب الحتف ، والله أعلم .
قد تم بعون الله تعالى ما به ابتدأنا ، وكمل وصف ما قصصنا ، من أيام خلفائنا وخير أئمتنا ، وفتن زمانهم ، وحروب أيامهم ، وانتهينا إلى أيام الرشيد ، ووقفنا عند انقضاء دولته ، إذ لم يكن في اقتصاص أخبار من بعده ، ونقل حديث ما دار على أيديهم ، وما كان في زمانهم كبير منفعة ، ولا عظيم فائدة ، وذلك لما انقضى أمرهم ، وصار ملكهم إلى صبية أغمار [١] ، غلب عليهم زنادقة العراق ، فصرفوهم إلى كل جنون ، وأدخلوهم إلى الكفر ، فلم يكن لهم بالعلماء والسنن حاجة ، واشتغلوا بلهوهم ، واستغنوا برأيهم . وكان الرشيد مع عظم ملكه ، وقدر شأنه ، معظما للخير وأهله ، محبا لله ورسوله ، ولما دخلت عليه سنة تسعين ومئة أخذته الحمى التي أخبر بها جده أبو جعفر المنصور ، وهو في المهد صغيرا ، فعرف أنه قد دنا أجله ، وحان هلاكه ، فاجتمع إليه أطباء العراق يعالجونه ، ثم استعان بأطباء الروم والهند ، واستجلبهم من الآفاق ، فلم يزالوا يداوونه حتى مضت له ثلاثة أعوام ، وما أقلعت عنه ، ولم يزده العلاج إلا شدة . فلما دخلت سنة أربع وتسعين ومئة أثرت به ، وأنهكت بدنه ، واشتد ألمه ، وتمادى به وجعه ، فذكر البيعة لابنه المأمون . فلما سمعت بذلك زبيدة ، وكان ابنها منه محمد الأمين ، هجرته وتغاضت عنه ، وأكربها ذلك وغمها ، حتى ظهر ذلك عليها ، وبدا أثر الغم في وجهها ، ودخلت عليه تعاتبه في ذلك أشد المعاتبة ، وتؤاخذه أعنف المؤاخذة .
[١] أغمار : جمع غمر بضم الغين وفتحها وكسرها : الشاب غير المجرب ، الساذج الذي لم تحنكه التجارب .