الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ١٦٤ - ذكر قدوم جرير بن الخطفى على عمر بن عبد العزيز
له اخرج : فدعا الرشيد بيحيى بن خالد بن برمك ، وكان ممن رفع إليه أسماءهم ، فعنفه بهم ، وقال : رفعت إلي أسماء المجانين . قال له : والله ما في العراقيين أعقل من الرجلين اللذين سألت ، ولا أفضل منهما . فقال : ويحك إني اختبرت منهما جنونا . قال يحيى : إنهما والله كانا كارهين لما دعوتهما إليه وإنما أراد التخلص منك . قال : ويحك : أعدهما علي ، فطلبا فلم يوجدا .
ذكر الأعرابي مع هارون الرشيد قال : وذكروا أن أعرابيا قدم على هارون الرشيد مستجديا ، فأراد الدخول عليه ، فلم يمكنه ذلك ، فلما رأى أنه لم يؤذن له ، أتى عبد الله ابن الفضل الحاجب ، فقال له : توصل كتابي هذا إلى أمير المؤمنين ، وكان الرشيد قد عهد إلى حاجبه أن لا يحبس عنه كتاب أحد قرب أو بعد ، فأعطاه الأعرابي كتابا فيه أربعة أسطر . السطر الأول فيه : الضرورة والأمل قاداني إليك . والثاني العدم يمنع من الصبر . والثالث : الانقلاب عنك بلا فائدة شماتة الأعداء . والرابع : فإما " نعم " مثمرة ! وإما " لا " مريحة . فلما وصل الكتاب إلى الرشيد قال : هذا رجل قد ساقته الحاجة ، ووصلت إليه الفاقة ، فليدخل ، فدخل فقال له الرشيد :
إرفع حاجتك يا أعرابي . فقال الأعرابي : إن مع الحاجة حويجات . فقال له الرشيد : ارفع حاجتك وحويجاتك تقض كلها . قال الأعرابي : تأمر لي يا أمير المؤمنين بكلب أصيد به ، فضحك الرشيد ثم قال له : قد أمرنا لك بكلب تصيد به . فقال : تأمر لي يا أمير المؤمنين بداية أركبها : فقال الرشيد : قد أمرنا لك بداية تركبها . فقال : تأمر لي يا أمير المؤمنين بغلام يخدم الدابة . فقال له الرشيد : قد أمرنا لك بغلام . قال الأعرابي : تأمر لي يا أمير المؤمنين بجارية تطبخ لنا الصيد ، وتطعمنا منه ، فقال الرشيد : قد أمرنا لك بجاريتين ، جارية تؤنسك وجارية تخدمك . فقال الأعرابي : لا بد لهؤلاء ، من دار يسكنونها . فقال له الرشيد : قد أمرنا لك بدار ، فقال الأعرابي : يا أمير المؤمنين يصيرون فيها عالة على الناس ، وعلي كلالة ، لا يدلهم من ضيعة تقيمهم . فقال له الرشيد : قد اقتطعتك مئة جريب [١] عامرة ومئة جريب غامرة [٢] . فقال الأعرابي : ما الغامرة يا أمير المؤمنين ؟ قال الرشيد : غير معمورة تأمر بعمارتها . فقال الأعرابي : أنا أقطعتك ألف ألف جريب من أرض أخوالي بني أسد بالحجاز تأمر بعمارتها ، فضحك الرشيد وقال : قد أقطعتكها عامرة كلها . ثم قال الرشيد : تمت
[١] الجريب : الوادي والعامرة الآهلة بالسكان .
[٢] غامرة : مغمورة مجهولة ليس بها سكان .