الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ١٢٢ - ذكر قدوم جرير بن الخطفى على عمر بن عبد العزيز
التي كانت في ظهره قد وجدت في كتب الحدثان [١] ، وكانت العلامة خالا أسود عظيما مرتفعا على الظهر هابطا ، فلما نظر إليه الرجل قال له : النجاء النجاء ، والهرب الهرب ، فإنك والله صاحب الأمر ، فاخرج فإنا معك ، ومالي لك ، ولي عشرون ألف دينار مصرورة ، كنت أعددتها لهذا الوقت . فقال له عبد الرحمن : وعمن أخذت هذا العلم ؟ فقال الرجل : من عمك مسلمة بن عبد الملك . فقال له عبد الرحمن : ذكرت والله عالما بهذا الأمر ، أما لئن قلت ذلك لقد وقفت بين يديه وأنا غلام ، يوم توفي أبي معاوية ، وهشام يومئذ خليفة ، فكشفت عن ظهري ، فنظر إلى ما نظرت إليه . فقال لهشام جدي وهو يبكي : هذا اليتيم يا أمير المؤمنين صاحب ملك المغرب . فقال له هشام : وما الذي أبكاك يا أبا سعيد ؟ ألهذا تبكي ؟ فقال : أبكي والله على نساء بني أمية وصبيانهم ، كأني بهم والله قد أبدلوا بعد أساورة الذهب والفضة الأغلال والحديد ، وبعد الطيب والدهن البقل والعقار ، وبعد العز الذل والصغار . فقال هشام : أحان زوال ملك بني أمية يا أبا سعيد ؟ فقال مسلمة : إي والله حان ، وإن هذا الغلام يعمر منهم ، ثم يصير إلى المغرب فيملكها : فقال له الرجل : فاقبض مني هذا المال ، واخرج بمن تثق به من غلمانك .
فقال عبد الرحمن : والله إن هذا الوقت ما يوثق فيه بأحد ، فولى ذاهبا ، وخرج لا يدرى متى خرج ، فلحق بالمغرب ، وأقبل القوم من بني أمية ، وقد أعد لهم السفاح مجلسا فيه أضعافهم من الرجال ، ومعهم السيوف والأجرزة [٢] ، فأخرجهم عليهم ، فقتلهم وأخذ أموالهم ، واستعفى [٣] عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك ، وكان عبد الواحد قد بذ العابدين في زمانه ، وسبق المجتهدين في عصره ، فركب السفاح إلى أموال عبد الواحد ، وكان عبد الواحد قد اتخذ أموالا معجبة ، تطرد فيها المياه والعيون ، فأمره السفاح أن يصيرها إليه ، فأبى عليه ، واختفى منه ، فأخذ رجالا من أهله ، فتواعدهم السفاح ، وأمر بحبسهم حتى دلوه عليه . فلما قبضه أمر بقتله ، ثم استقصى ماله ، فبلغ ذلك أبا العباس أمير المؤمنين ، وكان أبو العباس يعرفه قبل ذلك ، وكان عبد الواحد أفضل قرشي كان في زمانه عبادة وفضلا . فقال أبو العباس : رحم الله عبد الواحد ، ما كان والله ممن يقتل لغائلة [٤] ، ولا ممن يشار إليه بفاحشة ، وما قتلته إلا أمواله ، ولولا أن السفاح عمي ، وذمامه ورعاية حقه علي واجب ، لأقدت منه ( ٤ ) ، ولكن
[١] كتب الحدثان : كتب التنجيم والأخبار بالمستقبل .
[٢] الأجرزه : جمع جرز : بضم الجيم وسكون الراء وهو عمود الحديد .
[٣] استعفى عبد الواحد : تركه فلم يقتله .
[٤] الغائلة : الداهية ، والقتل غدرا وهو المراد هنا . ( ٥ ) لأقدت منه : لأخذت منه القود وهو القصاص أي لقتلته قصاصا بقتله عبد الواحد .