الاجتهاد و التقليد و سلطات الفقيه و صلاحياته - الشيخ محمد مهدي الآصفي - الصفحة ٨٧ - حركة الاجتهاد بين الانفتاح و التعطيل
و طبيعيّ جدا، أنّ علم الفقه حينما يتأتّى له هذا النضج و القوة في ظلّ الحركة المستمرة و الجهد الدائم الذي يبذله الفقهاء يكون أوصل إلى حكم اللّه، و أبلغ في الوصول إلى حدود اللّه و شرائعه.
و لست أعلم لما ذا يكون الجهد الذي يبذله أبو حنيفة، أو الشافعي مثلا في استخراج الأحكام الشرعية مجزيا و مبرءا للذمة، و موصلا إلى حدود اللّه و شرائعه؟ و لا يكون هذا الجهد موصلا إلى أحكام اللّه و مجزيا إذا ما بذله فقيه معاصر، قد ألمّ بكل ما كان يعرفه الفقيهان المعروفان أبو حنيفة و الشافعي و زاد عليهم في النضج و الخبرة.
يقول الأستاذ المراغي في معرض مناقشة انسداد باب الاجتهاد في الأزهر الشريف و المعاهد الدينية في مصر: و ليس ممّا يلائم سمعة المعاهد الدينية في مصر أن يقال عنها إنّ ما يدرس فيها من علوم اللغة و المنطق و الكلام و الاصول لا يكفي لفهم خطاب العرب، و لا لمعرفة الأدلّة و شروطها، و إذا صحّ هذا في الضيعة الأعمار و الأموال التي تنفق في سبيلها [١].
و قد يعيش فقيه واحد في عصر واحد في بيئتين فتتغيّر نظرته الفقهية تبعا لاختلاف هاتين البيئتين، و تتغيّر تبعا لذلك فتاواه.
و المعروف عن الإمام الشافعي أنّ فتاواه اختلفت حينما انتقل إلى مصر عمّا كان يفتي به سابقا و هو في المدينة، نظرا لاختلاف بيئة الحجاز عن بيئة مصر.
فإنّ الفقيه حينما يلمس عن كثب ضرورات بيئة يعيشها، تختلف
[١] الاصول العامة للفقه المقارن: ص ٦٠٤، نقلا عن مجلّة رسالة الإسلام العدد ٤ السنة الاولى ص ٣٥٠ و ما بعدها.