الاجتهاد و التقليد و سلطات الفقيه و صلاحياته - الشيخ محمد مهدي الآصفي - الصفحة ٤٥ - العلم و الخشية
الخشية فليس من العلم، و إن شقّ صاحبه الشعر في دقة النظر.
و في القرآن نجد حصرين اثنين:
حصر الخوف من اللّه تعالى و الإخبات له في العلماء، فلا يخشى اللّه تعالى حقّ خشيته أحد غير العلماء، و كلّ يخشى اللّه تعالى على قدر علمه، و اختلاف الناس في الخشية من اللّه ينشأ من اختلاف درجاتهم في العلم، كما أنّ اختلاف درجات الناس في الإخبات ينشأ من اختلافهم في درجات العلم.
و هذا أحد الحصرين في القرآن.
و الحصر الآخر في القرآن هو حصر الخوف في العالم من اللّه تعالى فقط، فإنّ العالم يخشى اللّه تعالى فقط و لا يخشى أحدا إلّا اللّه. يقول تعالى:
الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسٰالٰاتِ اللّٰهِ وَ يَخْشَوْنَهُ وَ لٰا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللّٰهَ وَ كَفىٰ بِاللّٰهِ حَسِيباً [١].
و بموجب هذا الحصر لا يخشى العالم أحدا إلّا اللّه تعالى.
و الآية الكريمة و إن كانت لا تضيف الخشية إلى العلماء و لكنها تضيفها إلى الذين يبلّغون رسالات اللّه، و لا يبلّغ رسالات اللّه إلّا من كان عالما بها.
فالعلم إذن ذو خاصيّة غريبة من نوعه: إنّه يبعث الخشية في نفس صاحبه، و ينفي الخوف من نفس صاحبه في نفس الوقت.
و الثاني يتبع الأول، و الأول ينبعث من العلم. فلا يتحرر الإنسان من الخوف من غير اللّه إلّا إذا تأكد الخوف من اللّه تعالى في نفسه، و لا يتأكد
[١] الأحزاب: ٣٩.