الاجتهاد و التقليد و سلطات الفقيه و صلاحياته - الشيخ محمد مهدي الآصفي - الصفحة ١٠٣ - ١- الفقاهة
إلّا بعد إلمام اطّلاع واسع و معمّق بالاصول و القواعد الفقهية التي تعين المجتهد على معرفة الحكم الشرعي و الوظيفة الشرعية. و لا بدّ من أن تكون هذه المعرفة نابعة عن رأي و نظر، و لا يكفي الاطّلاع وحده على هذه الاصول و القواعد، ما لم تصحبها ممارسة طويلة لاستعمال هذه الاصول في مجاريها الصحيحة .. فقد تختلف أحيانا مجاري هذه الاصول و القواعد اختلافات دقيقة جدّا، لا يتمكّن الفقيه من تمييزها دون ممارسة طويلة و خبرة واسعة في الموضوع، و هذا هو ما يعبّر عنه الفقهاء عادة بالقدرة على تطبيق الكبريات على صغرياتها.
فالطبيب الحاذق، ليس هو الذي يفهم القواعد الكلّية في الطب، و يفهم أحكاما كلّية عن الأمراض و المعالجات، و إنّما هو الذي يحسن تشخيص الأمراض، و تطبيق القواعد الكلّية في الطب على الانحرافات و الأعراض المرضيّة. و هذه القابلية لا تحصل للطبيب بالدراسة بقدر ما تحصل له بالممارسة و التجربة و العمل.
كما أنّ الاجتهاد يتطلّب من الفقيه معرفة كاملة بالحديث، و فهم مجمله و مبيّنه و ضعيفه و حسنه، و حلّ معضلاته و مشكلاته، و فهم الرجال الذين وصل إلينا الحديث على أيديهم من حيث الوثوق، و فهم ظروف صدور الحديث.
و في دراسة الأحاديث يتّفق كثيرا أن يلتقي الفقيه بأحاديث متعارضة من حيث المدلول، و ذلك لما كان يحيط ظروف صدور الحديث من ملابسات، لا نريد أن نتعرّض لها في هذا المجال.
و لا بدّ للفقيه أن يكون على معرفة واسعة بطرق علاج هذه المعارضات،