بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٩٣ - الثّاني
بل لا بدّ من التجشم بوجوه أخرى فما صدر من كاشف الغطاء من الاستدلال على صحة الموسّع بورود مثلهما في الشرع كالجاهل بالجهر و الإخفات و القصر و الإتمام فهما لا يليق بأهالي التحقيق في غوامض المسائل بخلاف ما استدلّ به المحقق الثاني من مناسك منى و أفعال العمرة فإنّه وقع في محزّه فليتدبّر جيّدا فإنّ المقام من مزال الأقدام و العلم عند الملك العلاّم و إذا تمهدت المقدّمات
فلنشرع في أدلّة الأقوال فنقول
حجة القول بعدم الاقتضاء في الضدّ العام وجوه
الأوّل
ما هو مبني على أصول الأشاعرة من جواز التكليف بما لا يطاق فيجوز الأمر بالفعل و الترك معا و حينئذ فلا يدلّ الأمر بالفعل على عدم الأمر بالترك فضلا عن النّهي عنه و وضوح فساده يغني عن التعرض لبيانه و ردّه
الثّاني
ما نسب إلى ظاهر علم الهدى و العلاّمة في الذريعة و النهاية و صرّح به الحاجبيان في المختصر و شرحه و هو أنّ الطلب إيجابا أو تحريما فرع الالتفات إلى المطلوب لامتناع تعلّقه بالأمر المغفول عنه الغير المشعور به و الأمر بالفعل لا يلازم الالتفات إلى الترك بل الغالب المشاهد بالوجدان في حال الأمرين عدم التفاتهم إلى ضدّ المأمور به عامّا أو خاصا فكيف يكون الأمر بالشيء ناهيا عن ترك المأمور به قال الحاجبي على ما حكي عنه أنّه لو كان الأمر نهيا عن الضدّ أو تضمّنه لم يحصل بدون تعقل الضدّ و الكف عنه لأنّه مطلوب النهي و نحن نقطع بالطّلب مع الذهول عنها انتهى و هو و إن لم يكن ظاهرا في الضدّ العام بمعنى الترك إلا أنّه يجري فيه أيضا ذلك و أجيب عنه بوجوه (أحدها) ما ذكره هو بعد كلامه المذكور بقوله و اعترض عليه بأنّ المراد الضدّ العام و تعقله حاصل لأنّه لو كان ذاهلا عنه لم يطلبه ثم قال و أجيب بأن طلبه في المستقبل و لو سلّم فالكف واضح و قال العضدي في توضيح الاعتراض و الجواب عنه بأن المراد بالضدّ هو الضدّ العام لا الأضداد الجزئية و الّذي يذهل عنه هو الثاني كالأول لأنّ تعقله حاصل ضرورة أن المأمور لو كان على الفعل و متلبّسا به لم يطلب الآمر منه لأنّه طلب الحاصل فإذن إنما يطلبه إذا علم أنّه متلبّس بضدّه لا به و أنّه يستلزم تعقل ضدّه الجواب أنّه يطلب منه الفعل في المستقبل فلا يمنع الالتباس به في الحال فيطلب منه أن يوجده في ثاني الحال و لو سلّم فالكف واضح يعلم بالمشاهدة و لا حاجة في العلم به إلى العلم بفعل الضدّ و إنما يلزم النّهي عن الكف و ذلك واضح و لا نزاع لنا فيه فلا يصلح موردا للنّزاع و الاحتجاج انتهى و حاصل الاعتراض على ما فسّره الشارح أن توجيه الأمر إلى المأمور إنما يحسن إذا كان متلبسا بضدّ المأمور به إذ لو كان متلبّسا به كان طلبه تحصيلا للحاصل فلا جرم يكون الآمر ملتفتا إلى الضدّ و يكون الغرض من الأمر ترك ما كان متلبّسا به و فعل ضدّه الّذي هو المأمور به و حاصل الجواب يحتمل وجهين (أحدهما) اختيار صدور الأمر في حال التلبّس بالمأمور به و منع امتناع توجه الأمر إليه حينئذ لأنّ المطلوب من الأمر هو إتيان المأمور به في ثاني الحال لا في الحال أو الالتفات إلى الضدّ غير حاصل فيتم الاستدلال المزبور (و ثانيهما) اختيار صدور الأمر في حال التلبّس بالضد و أنّ الالتفات إليه في وقت الأمر لا يستلزم الالتفات إليه في وقت المأمور به إذ الكلام فيما هو للمأمور به فعلا لا في مطلق الضدّ و محصّل الوجهين أنّ الضدّ الخاص على زمان العمل لا عبرة به و إنّما العبرة بالضدّ المقارن و هو غير ملتفت إليه فلا يعقل النهي عنه و الوجه الأوّل هو الظاهر من كلام الشارح لكنه فاسد لكونه خلاف الواقع و اندفع به محذور تحصيل الحاصل لأن صدور الأمر في حال التلبّس بالمأمور به محض تصوير لا واقعية له في الواقع إذ الغرض من الأمر إيجاد المعدوم لا إبقاء الموجود فافهم فتعين الوجه الثاني في الجواب المذكور و يرد عليه أن الالتفات إلى الضدّ حال صدور الأمر يكفي في الالتفات عليه في زمان المأمور به لأن الأعدام لا تعدد فيها إلا بالاعتبار و إلاّ فالالتفات إلى ترك المأمور به شيء واحد و هو يكفي في تصحيح النهي عنه فالجواب المذكور فاسد جدّا نعم و أصل الاعتراض أفسد لعدم الملازمة بين التلبّس بالضدّ و الالتفات و الآمر إليه إذ الغرض من الأمر لما كان هو تحريك المأمور و بعثه إلى إيجاد المأمور به فلا داعي للآمر إلى الالتفات إلى ضدّه و إن كان المأمور به متلبسا به أ لا ترى أن الناظر إلى المرآة إذا كان غرضه من النظر فيها ملاحظة وجهه لم يلتفت إلى نفس المرآة و لو كان غرضه شراء المرآة لم يلتفت إلى وجهه و إن كان كلّ منهما ملحوظا له في كلّ من الحالتين و إذا كان هذا هو الشأن في فعل النفس فما ظنّك بفعل الغير فمجرد كون المأمور ملتفتا بترك المأمور به لا يعقل التفات الآمر إليه حال الأمر و الرجوع إلى الوجدان و ما يشاهد من حال الأمراء بالعيان يغني عن مزيد بيان فالدليل المذكور على عدم الاقتضاء ممّا لا غبار عليه (و ثانيها) ما ذكره صاحب الفصول حيث قال في ردّه و أنت خبير بأن هذا التعليل على تقدير تسليمه إنما يقتضي نفي الاقتضاء باللّزوم البين بالمعنى الأخص
دون الاقتضاء بطريق العينية في المعنى أو الجزئية أو اللّزوم البيّن بالمعنى الأعمّ أو اللّزوم الغير البين انتهى و فيه ما لا يخفى لأنّ النهي الّذي هو محل البحث و محلّ النزاع هو النّهي الفعلي و من الواضح أنّه لا يعقل إلاّ بعد الشعور و الالتفات فلا ملازمة بين مدلولي الأمر بالشيء و النهي عن ضدّه إذا لم يكن هناك ملازمة لم يعقل دلالته عليه لا مطابقة و لا تضمّنا و لا التزاما بيّنا أو غير بيّن إذ الدلالة فرع وجود المدلول و إذ ليس فليس (و ثالثها) ما حكي عن شيخنا العلاّمة (قدّس سرّه) و هو أن النهي الّذي يقتضيه الأمر هو النّهي الثاني و المراد منه أن