بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٣٨ - الرّابع الكلام في أن الأصل في الواجب التوصلي دون التعبدي
وقوعه في عبادة و لو مدخليّة خفية و هذا على تقدير حصوله نادر جدّا (أقول) و أنت بعد الخبرة بما ذكرنا في معنى الآية تعلم بأنّ هذا الكلام خال عن التحميل ثمّ إنّه إن أراد بالمدخلية الخفية ما هو المأمور به في مقدّمات العبادة فدعوى عدم حصولها أو حصولها نادرا واضحة الفساد لأنّ الواجبات النفسيّة التوصليّة الّتي ليست شرطا لصحّة عبادة أضعاف من الواجبات التعبّدية فكيف يدّعى ندرته في شرعنا أو في شرعهم و إن أراد بها ما لا يعلمه إلاّ اللّه تعالى و لو لم يكن من سنخ المدخلية الموجودة في مقدّمات العبادات فدعوى ندرته لا يليق إلاّ بالمعصوم (عليه السلام) إذ فيه ترجم على الغيب و اقتحام في العيب (و ثانيا) أنّ اللاّم على تقدير كونها للغاية فإنّه يفيد كون الإخلاص غاية للأمر بالواجبات لا شرطا في المأمور به و هو لا يقضي بتوقّف سقوط التكليف عليه لوضوح أنّ الغرض الملحوظ في أوامر الشارع أمر يرجع أثره إلى العباد فيجوز أن يكون ذلك الأثر حصول الثواب خاصة لا سقوط العقاب أيضا فأقصى ما يتفرّع على كونه غرضا توقف حصول الثواب عليه و أمّا الخلوص عن تبعية الذّم أو العقاب فلا (فإن قلت) قد تحقّق أنّ غاية الواجب إذا كان فعلا من أفعال المكلّف كان واجبا لأنّ غاية الشيء تتصف بصفة من الحسن و القبح و لذا استدلّوا على وجوب الحذر بكونه غاية للإنذار الواجب في آية النفر (قلت) نعم لكنّه فيما إذا كان الفعل غاية للواجب كالإنذار دون الوجوب كما في المقام (لا يقال) يجب مراعاة غرض الأمر إذا توقف حصوله على أمر زائد على المأمور به كما اعترفت به آنفا فيدور سقوط التكليف مدار حصول الغرض (لأنّا نقول) إنّ دعوى التوقف فيما يرجع الغرض فيه إلى المولى كما في أوامر الموالي إلى العبيد مسلّمة و أمّا فيما يرجع إلى المأمور نفسه فلمنعها مجال إذ يمكن القول بعدم توقف سقوط التكليف على مراعاة مثل هذا الغرض نظرا إلى صدق الإطاعة بالمعنى الأعمّ مع عدم المراعاة أيضا و المفروض عدم كونه داخلا في المأمور به شطرا أو شرطا نعم لو كان الغرض من جملة الأفعال و علمنا بأنّه العنوان للمأمور به حقيقة و إن كان ظاهر الأمر متوجّها إلى شيء آخر محصّل له كما لو أمر المولى بالأكل و علمنا أنّ الغرض منه التقوية و أنّها المأمور به حقيقة دون ما هو متعلّق للأمر في ظاهر الخطاب توقف سقوط التكليف حينئذ على مراعاة ذلك لأنّ المأمور به حينئذ هو عنوان ذلك الغرض فلا يصدق الإطاعة مع عدم مراعاته و أمّا إذا لم يكن كذلك بأن كان الغرض الباعث على الأمر غير داخل في المأمور به و لا عنوانا واقعيّا للأمر كالتّعبد فيما نحن فيه إذ ليس هو شطرا أو قيدا في المأمور به بل هو صرف الدّاعي فدعوى توقف سقوط التكليف في مثله على مراعاته غير واضحة نعم لو كان الغرض ممّا يرجع فائدته إلى الأمر استقلّ العقل حينئذ بتوقف سقوط التكليف عليه لصدق العصيان بدونه (و توضيح المقام) على وجه يرتفع منه غواشي الأوهام أنّ في مخالفة الأوامر الشرعيّة قبح من جهتين على مذهب العدلية إحداهما أنّها إقدام على فوت المصلحة اللاّزمة المراعاة عند العقل على تقدير انكشافها له و الأخرى أنّها مخالفة لأمر المولى و معصية له إذ لو قيل بخلوّ الواجبات الشرعية عن الجهة الأولى كما على مذهب الأشاعرة استقلّ العقل بقبح المخالفة أيضا ففي كلّ أمر من الأوامر الشرعية جهة إرشاد و جهة تكليف و الّذي يلزم من كون الإخلاص غرضا باعثا على الأوامر الشرعيّة فوت مصلحة الإرشاد على تقدير عدم الإخلاص و أمّا عدم سقوط التكليف أيضا فلا لأنّ سقوطه لازم عقلي لإتيان المكلّف به بجميع أجزائه و شرائطه و المفروض حصوله على الوجه المذكور (و ثالثا) أنّ مفاد الآية الشريفة بعد المساعدة على دلالتها على المدّعى اعتبار قصد القربة فيما كان في الأمّة السّابقة من الواجبات و ثبوت هذا الحكم في واجباتنا موقوف على كونها هي الّتي كانت واجبة في تلك الأمة و هذا غير ثابت نعم لو كان مفادها اعتبار الإخلاص في كلّ ما يجب عليهم حتى تكون بمنزلة الأصل و القاعدة فمقتضى الاستصحاب أو مقتضى قوله و ذلك دين القيمة ثبوت هذا الحكم في شرعنا أيضا و إن كانت واجبات هذا الشرع مغايرة لواجبات تلك الشّرعية لكن الآية غير دالة على ذلك كما لا يخفى ثم إن جميع ما ذكرنا مبني على تسليم دلالة الآية على كون الإخلاص غاية لا فائدة و إلاّ فمن المحتمل كون الإخلاص من فوائد الأمر بالواجبات و معه تسقط عن الاستدلال كما لا يخفى و هاهنا
أجوبة أخرى موهونة و الصّواب ما ذكرناه (الوجه الثّاني) ما ورد في إناطة الأعمال بالنّية مثل قوله (عليه السلام) لكلّ امرئ ما نوى و إنّما الأعمال بالنّيات و قوله (عليه السلام) لا عمل إلاّ بنيّة و أجيب عنها بعد تضعيف السّند و عدم الجابر إلا في خصوص العبادات بأنّ ظاهرها نفي حقيقة العمل إلا مع نيّة العمل لا نيّة القربة فلا مساس لها بالمدّعى بل يكون الغرض منها إخراج عمل الغافل و السّاهي كالبيع و الصّلح من الأعمال و هذا الجواب و إن كان مجديا في تزييف الاستدلال لكنّه في نفسه فاسد لأنّ عمل الغافل أيضا عمل و إن لم يكن صحيحا و الصّواب أن يقال إنّ ظاهر الرّوايات عدم استتمام حقيقة العمل إلا بالقصد و النّية و هذا على عمومه مخالف للواقع فلا بدّ فيه إمّا من التزام التخصيص أو التزام الإضمار بتقدير الكمال أو الصّحة أو حمله على الأعمال المشتركة الّتي لا يتميّز في الخارج بعضها عن بعض إلاّ بالقصد كالتأديب و الظّلم الحاصلين في الخارج بفعل واحد و الظّهر و العصر المشتركين من جميع الوجوه إلا في النّية و من الواضح أن الأولى هو الأخير مطلقا أو في خصوص