بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٩٧ - الأوّل
الواجب واجبة فيكون تركه واجبا و فعله حراما منهيّا عنه و حيث كان دلالة الأمر بالشيء على وجوب المقدّمة بالالتزام الغير البيّن حسب ما عرفت في المسألة السّابقة كان دلالته على النّهي عن الضدّ أيضا كذلك و أجيب عنه تارة بمنع وجوب المقدّمة إمّا مطلقا أو في غير السّبب خاصّة كما في المعالم و أخرى بمنع كون ترك الضدّ مقدّمة لفعل ضدّه و هذا هو المختار كما مرّ تفصيل الكلام فيه في المقدّمة الثّانية من مقدمات المسألة فراجع و في المعالم جوابان آخران بعد اختيار مقدّميّة ترك الضدّ و الإغماض عن منع وجوب غير السّبب (أحدهما) أن المقدّمة إنّما تجب لأجل التوصّل إلى الواجب فيختص وجوبه بحالة إمكان التوصّل إليه و مع وجود الصّارف من الواجب لا يمكن التوصّل إليه فلا وجه لوجوبه (و ثانيهما) أن أدلّة القول بوجوب المقدّمة إنّما يقتضي وجوبها حال كون المكلّف مريدا للفعل المتوقف عليها أمّا حال وجود الصّارف عن الواجب و عدم إرادته فهي غير واجبة و الفرق بين الوجهين ظاهر فإنّ المراد من الأوّل نفي وجوب ترك الضّدّ لعدم إمكان التوصّل به إلى الواجب حال وجود الصّارف و الثّاني مبني على الإغماض عن ذلك و أنا لو سلّمنا إمكان التوصّل به إلى الواجب مع وجود الصّارف منعنا وجوبها أيضا نظرا إلى عدم إرادة الإتيان بالواجب لأنّ أدلّة وجوب المقدّمة لا نفي بوجوبها حال عدم الإرادة و أورد على الأوّل سلطان العلماء ما حاصله أنّ الصّارف عن الفعل المأمور به إن كان خارجا عن الاختيار صحّ ما ذكره من عدم إمكان التوصّل إلاّ أنّه لا يكون الواجب حينئذ باقيا على صفة الوجوب فيخرج عن محلّ النّزاع و إن كان باقيا تحت الاختيار وجودا و عدما فالتوصّل إلى الواجب ممكن بإزالة الصّارف فقوله لا معنى لوجوبها حينئذ ممّا لا معنى له و يقرب منه ما أورده المدقق الشيرواني (قدّس سرّه) و وافقهما بعض المحققين مع زيادة توضيح ثمّ قال الشّيرواني و فرق ظاهر بين التوصّل في زمان وجود الصّارف و بشرط وجوده و المسقط للتكليف هو الثّاني دون الأوّل و أنت خبير بأنّ الأفعال تنبعث عن الإرادة المنبعثة عن الدّواعي و هي من حيث الاختيار و الاضطرار على نسق واحد و كذا الصّارف و لا ينقسم إلى الاختياري و الاضطراري و أمّا الأفعال الصّادرة عنها فهي على الوجهين اختياريّ و اضطراري كما تحقّق في مسألة الجبر و التّفويض لأنّ كون الفعل اختياريّا عبارة عن صدوره عن الاختيار المنبعث عن الدّاعي سواء قلنا بأن حصول الداعي أمر قهريّ أو قلنا إنّه أيضا اختياريّ و كيف كان فالفعل المستند إليه وجودا و عدما اختياري فكان عليهم أن يجيبوا بالمنع و أنّ التوصّل إلى الواجب أمر ممكن حال وجوده لإمكان إزالته بالمجاهدة أو بأن عدم إمكان التوصّل الناشئ من الصارف امتناع بالاختيار و هو لا ينافي الاختيار المصحّح لتعلّق التكاليف فالصّارف لا ينافي الوجوب المقدّمي الّذي يقضي به العقل كما لا ينافي وجوب ذي المقدّمة و إن كان التوصّل ممتنعا بسوء الاختيار كيف و لو كان التكليف مشروطا بعدم الصارف انسدّ باب الأمر و النّهي رأسا و هو ممّا لا يقول به أحد حتّى الجبريّة فإنّهم يفرقون بين الامتناع الذاتي كالطّيران إلى الهواء و الامتناع العرضي النّاشئ عن الدّواعي النفسيّة فيجوّزون التكليف في الثّاني و لا يجوّزونه في الأوّل و تمام البحث في ذلك خروج عن مقتضى المقام (و الحاصل) أنّ التّرديد في الصّارف بين المقدور و غير المقدور الخارج عن الاختيار ليس على ما يقتضيه نظر أهل التحقيق و قياس الصّارف بالفعل الخارجي المنقسم إلى الاضطراري الإلجائي و الاختياري أوهن شيء في الأنظار و توضيح المرام أن تقسيم الصّارف إلى ما هو خارج عن اختيار المكلّف و ما هو باق تحت اختياره و قدرته في غير محلّه لأنّ الصّارف حصوله أمر قهريّ في جميع الأحوال لكن المكلّف قادر على إزالته بالمجاهدة و ليس هو كالأفعال الخارجيّة الّتي يتطرّق إليها الإلجاء و الاضطرار فهو دائما باق تحت القدرة و الاختيار بالمعنى المذكور فإن لوحظ حيث حصوله فهو اضطراريّ مطلقا و إن لوحظ حيث القدرة على الإزالة فهو اختياري كذلك فتقسيمه إلى الاضطراري و الاختياري بعيد عن نظر المحققين و المدققين فما ذكره المدقق المذكور من أن الصّارف اختياري إن أراد به حيث الصّدور ففيه ما عرفت و إن أراد به حيث القدرة على الإزالة فهو حقّ و على أيّ حال فالتقسيم باطل ثم إنّ ما ذكره المدقق الشّيرواني من الفرق بين حال وجود الصّارف و بشرط وجوده بعيد عن شاكلته من الدّقة لأن الشّرطية و الحينية من فنون الكلام و أقسامه أو صفات من صفاته فقولنا الكاتب متحرك
الأصابع بشرط الكتابة قضيّة شرطية ضروريّة و في حال الكتابة قضية حينية ممكنة و أمّا الأمور الواقعيّة على واقعيتها من غير أن يلاحظه في الألفاظ الحاكية عنها كما في المقام فلا يتطرق إليها القسمان و لا يتصوّر فيه الوجهان إذ العبرة هنا لضروريّة واسطة ثبوت المحمول للموضوع و عدم ضروريّتها فإن كانت الواسطة ضروريّا كان ثبوت المحمول للموضوع ضروريّا و إلاّ فلا فحركة أصابع الكاتب حيث كانت مستندة إلى الكتابة الغير الضروريّة فلا جرم يكون أمرا ممكنا داخلا تحت الاختيار و لا يتصوّر كونه من الأمور الضروريّة الغير الاختياريّة سواء عبّر عنه المخبر بلسان الشرطية أو بلسان الحينية و إن كان ثبوتها على الأول ضروريّا إلاّ أنّ كونه ضروريّا إذا كان المقدور و المفروض غير ضروري و لعلّه أراد بكلامه هذا توضيح الإيراد الّذي أورده من أن التوصّل حال وجود الصّارف الّذي هو السّبب في العصيان ممكن فلا يكون التوصّل ممتنعا و كيف كان فهذا الجواب من صاحب المعالم (قدّس سرّه)