بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٨١ - الأوّل
كاشفة عن طلب الشارع على سبيل التخيير في الأفراد أمّا التخيير العقلي فليس كذلك لأن متعلّق الطّلب هي الطّبيعة فهي الواجدة للصّفة المحسنة و خصوصيّة الفرد من لوازم وجودها لا دخل لها في المطلوب رأسا يستفاد ذلك من قوله (رحمه الله) فإن أوهم و قوله إذ يخلو إلى آخره بالتأمّل و قوله و لئن أعيد التشكيك أراد به دفع ما قد يتوهم من ثبوت الوجوب المقدّمي للفرد في التخيير العقلي أيضا و إن لم يكن متعلّقا لطلب الشارع فكيف لا يتصف بالوجوب الشرعي و هل المدار إلاّ على كون أفراد القدر المشترك متعلّقا للطّلب الشرعي و هو موجود في المقامين أي التخيير الشرعي و العقلي و محصّل الدفع نفي المقدّمية عن الفرد و إنّما هو من لوازم وجود الطبيعة الّتي هي الواجب و أنّ الأمر بالعكس أولى حسبما يقتضيه ما تقرر عندهم من تقدم البسيط على المركب ذاتا و إن أراد غير ما ذكرنا فالمهم هو فكري و كيف كان فإذا كان متعلّق الوجوب المقدّمي هو كلّي السّبب و العلّة دون الأفراد فلا مانع من ثبوت حكم الإباحة للأفراد و الخصوصيات و ليس فيه شيء من المحاذير لاجتماع المتضادين و لا شيء آخر و بما ذكرنا ظهر كمال الفرق بين التخيير الشرعي و العقلي و أن ثبوت الأوّل ينافي ثبوت الإباحة للأفراد للتناقض بين قوله هذا الفرد مطلوب لي و ليس بمطلوب بخلاف الثاني فإن القضية الأولى عادمة هنا إذ الفرد غير مطلوب لا مقدّمة و لا أصالة فليتدبر جيّدا فيحصل من جميع ما ذكرنا أنّ وجوه التفصّي عن شبهة الكعبي من باب المقدّمية أمور (أحدها) منع الملازمة بين وجوب فعل المباح مقدمة و بين انتفاء المباح رأسا لإمكان عدم تعلّق التكليف بترك الحرام في بعض الأحوال (و ثانيها) منع وجوب المقدّمة (و ثالثها) مع كونه مقدّمة لاستناد الترك إلى الصّارف دائما (و رابعها) عدم المنافاة بين وجوب سبب ترك الحرام و إباحة الضدّ نظرا إلى كون الواجب أحد أسباب الترك الّتي منها عدم المقتضي أو انتفاء الشرط من غير أن يتسرى هذا الوجوب إلى خصوص المباح حتى ينافي إباحته و المختار منها هو الأوّل و الأخير هذا ما يتعلّق بالجزء الأوّل من كلام صاحب المعالم و أمّا الجزء الثاني ففي ما ذكره من التزام القائل بوجوب المقدّمة بوجوب المباح لو توقف ترك الحرام عليه أيضا إشكال و إن انتصره بعض موافقيه على ذلك بما ذكره الفقهاء من وجوب النكاح إذا توقف عليه ترك الحرام و تحقيق ذلك أنّ للفرض المذكور صورتان (الأولى) أن يتوقف ترك الحرام على فعل المباح في آن واحد بأن يكون الموقوف عليه هو الترك المقارن و هذه الصّورة مستحيلة لما فيها من الدّور البيّن حسبما مرّ مرارا و لا يجدي في دفعه ما ذكره بعض المحققين من كون فعل الضدّ هنا شرطا إذ يكفي في لزوم الدّور مطلق التوقف فعلى أصلهم من كون ترك الضدّ مقدّمة لفعل الضدّ مطلقا لا محيص عن الدّور و تمام البحث فيه مشبعا مضى في غير موضع (الثّانية) أن يتوقف الترك في الزمان المتأخر عن الفعل في الزمان المتقدم و هذا محط نظر الأصحاب في باب النكاح فقد صرّح بوجوبه جملة من الأعلام كالعلاّمة و المحقق و الشهيد الثانيين و كاشف اللثام قال الأوّل في محكي القواعد و قد يجب إذا خشي الوقوع في الزنا سواء الرجل و المرأة و قال الثاني في شرحه و لا يخفى أنّ النّكاح قد يجب إذا خشي المكلّف الوقوع في الزنا بدونه و لو أمكن التسري فهو أحد الواجبين على التخيير و قال الثالث في الرّوضة النكاح مستحبّ مؤكد لمن يمكنه فعله و لا يخاف الوقوع بتركه في محرم و إلا وجب و قال الرابع في شرح العبارة و ذلك يعني خشية الوقوع في الزنا إذا قدر على النكاح و لم يقدر على التسري و لا خشي من التزوج محذورا أقوى ممّا يلزم من تركه أو مساويا له و عن مصابيح العلاّمة الطّباطبائي نفي الخلاف عنه (قال) اعلم أنّ الوجوب المنفي هو الوجوب على كلّ أحد و على من تاقت نفسه و أمّا الوجوب الكفائي أي وجوب ما يقوم به الشرع فيجب القطع بثبوته حتّى لو فرض كف أهل ناحيته أو حصر عن النكاح وجب على الحاكم إجبارهم عليه لئلاّ ينقطع النسل و يتغامر النوع و الظّاهر أنه لا خلاف فيه و لا في الوجوب العيني إذا أفضى تركه إلى الوقوع في الحرام لأنّ سبب الحرام حرام و تحريم ترك التزويج يستلزم وجوب التزوج فالحكم بنفي الوجوب رفع للإيجاب الكلّي لا سلب كلي و المراد نفي الوجوب بمجرّد توق فلا ينافي ثبوته للإفضاء إلى
المحرم انتهى و لم يجد مصرحا بخلاف هؤلاء سوى بعض مشايخنا (قدّس سرّهم) في الجواهر فإنّه قال بعد ما ورد كلام الطّباطبائي و فيه إمكان منع وجوب الكفائي على وجه يشمل أهل مصر و نحوه للأصل و إطلاق الأدلّة و أقصى ما يمكن تسليمه وجوب ما يحصل الفساد في النوع الإنساني بتركه كما أنه يمكن منع الوجوب العيني فيما ذكره بمنع ترك التزويج إلى المحرم على وجه عليّته لوجود الاختيار و بقاء القدرة على تركه معه و لعلّه قد أطلق الأصحاب الحكم بالاستحباب لمن تاقت نفسه و في موضع آخر أن ذلك لا يقتضي الوجوب ضرورة بقاء الاختبار الّذي يكفي في عدم الوقوع فيه فلا يتوقف على التزويج اللّهمّ إلا أن يريد أنّه أحد الأسباب الّتي تكون سببا لعدم الوقوع في المحرم و هو كما ترى انتهى و نعم ما قال في تحقيق هذا المقال و به صرّح غير واحد من حذاق الفنّ لبعض المحققين في حاشية المعالم و غيره و إن صدع بتصحيح ما ذكره بما لا يخلو عن النظر كما يأتي إن شاء الله و توضيح ما أفاد صاحب الجواهر (قدّس سرّه) أنّ التزويج ممّا لا يمكن أن يكون مقدّمة لترك الزنا لأن من خشي العنت بتركه فإمّا أن يقع فيه بعد الترك مختارا قادرا جامعا لشرائط التكليف بترك الزنا أو يقع فيه إلجاء و اضطرارا و على الأوّل فلا يكون ترك التزويج سببا لفعل الحرام و لا فعله موقوفا عليه لتركه فكيف يكون التزويج مقدّمة