بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ١٦٧ - بديعة الكلام في أن الاستعمال في أكثر من معنى حقيقة أم مجاز
فالأولى في ردّه التعويل على ما ذكرنا (قلت) و كذا القول بالتأويل إلى المسمّى مجازا لأن تثنية الأعلام مطّردة في الكلّ و قد حققنا سابقا أنّ الاطّراد دليل قطعي على الحقيقة فالأقوى وفاقا لصاحب المعالم (رحمه الله) و الأندلوسي و غير واحد من أئمة العربية كفاية الاتفاق في اللّفظ فيجوز تثنية الأعلام و مقتضى جوازه جواز تثنية المشترك باعتبار معنييه أيضا لأنّ الفرق بين الأعلام و سائر المشتركات كما عليه نجم الأئمة في ظاهر كلامه لا يرجع إلى محصّل سوى ما ذكرنا و ما ذكره من حصول اللّبس في تثنية المشتركات دون الأعلام و هو غير فارق بعد مساعدة وضع التثنية على الجواز لأنّ هذا اللّبس نظير اللّبس اللاّزم في الاشتراك فلا بدّ من رفعه في الاستعمالات بإقامة القرائن فصار المحصّل أنّ علامة التثنية موضوعة للاثنين المتفقين في اللفظ فزيدين إشارة إلى اثنين شيئين متفقين في لفظ زيد كما أنّ رجلين أيضا يفيد هذا المعنى لأن كلّ متفق في المعنى متفق في اللّفظ أيضا فوضعها على نسق واحد و كذا استعمالاته فلا اشتراك فلا مجاز و هذا هو الصّواب (ثم) إنّ ما ذكرنا من الدّليل على اعتبار الاتفاق المعنوي في التثنية و الجمع جار على احتمال كون المجموع المركب من اللاّحق و الملحق به موضوعا بوضع واحد نظير قول بعض المحققين في المشتقات كما مرّ في تقسيم الوضع مع أنّه بمكان من الضّعف و السّقوط و مناف لتصريحات القوم في الأدب و مستلزم لتجثّمات نحيفة و تكلفات باردة لا يخفى على من تدرّب في كيفية الأوضاع ثمّ إنّ مقتضى جواز الاستعمال حقيقة حمله على الجميع عند عدم القرينة كما هو خيرة الشيخ في مواضع ثلاثة من العدّة و إن كان الكلام المعدّ لتحقيق الحال في المقام ما ذكره أخيرا بقوله فأمّا كيفية المراد باللّفظ الواحد للمعاني المختلفة فالذي ينبغي أن يحصل في ذلك أن نقول لا يخلو اللّفظ من أن يكون متناولا لأشياء على الحقيقة و يفيد في جميعها معنى واحدا أو يفيد في كلّ واحد منها خلاف ما يفيده في الآخر فإن كان الأوّل فلا خلاف بين أهل العلم في أنّه يجوز أن يراد باللّفظ ذلك كلّه و إن كان القسم الثاني فقد اختلف العلماء في ذلك فذهب أبو هاشم و أبو عبد اللّه و من تبعهما إلى أنّه لا يجوز أن يراد المعنيان المختلفان بلفظ واحد و قالوا في الحقيقة و المجاز و الكناية و التصريح مثل ذلك إلى أن قال و ذهب أبو الحسن عبد الجبّار ابن أحمد إلى أنّه يجب أن يعتبر العبارة و يعتبر ما به صارت عبارة عنه فإن كانت مشتركة بين الشيئين المختلفين و متى أراد أحدهما لم يصحّ أن يريد المعنى الآخر و يستحيل ذلك فيه قطع به و إن لم يمنع من ذلك جوّز أن يراد به المعنيان معا لأنّه إذا كان المخاطب يصحّ أن يريد كلّ واحد منهما بالعبارة و لا مانع يمنع من أن يريدهما جميعا فيجب أن يصحّ أن يريدهما معا قال و قد علمنا أنّ القائل إذا قال لصاحبه لا تنكح ما نكح أبوك يصحّ أن يريد بذلك العقد و الوطي و إرادته لأحد الأمرين لا يمنع من إرادته للآخر و إنّما قلنا إنّه لا يجوز أن يريد بلفظ الأمر و التهديد لأنّ ما به يصير أمرا و هي إرادة المأمور به يضاد ما به يصير تهديدا و هي كراهة ذلك و يستحيل أن يريد الشيء الواحد في الوقت الواحد على وجه واحد من مكلّف واحد و يكرهه على هذه الوجوه و قلنا إنّه لا يصحّ أن يريد بالعبارة الاقتصار على الشيء و تجاوزه لأنّه ينافي أن يريد الزيادة على ذلك الشيء و إلاّ يريده و لذلك استحال ذلك و إنّما نقول إنّه لا يريد بالعبارة ما لم توضع له على وجه لأنّه لا يصحّ أن يريد بقوله تعالى وَ لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ* قتل النفس و الإحسان إلى الناس و لا ينافي ذلك و إنما لا يصحّ أن يراد ذلك به لأنّ العبارة لم توضع له و إذا صحّ ذلك و وجدنا عبارة قد وضعت لمعنيان مختلفين نحو القرء في أنّه موضع للطّهر و الحيض لا يتنافى من المخاطب أن يريدهما جميعا فلا وجه لإحالة القول في ذلك إلى أن قال فإن قيل فإرادة الوطي و العقد بهذه الكلمة يعني به النكاح يتعذّر و نجد تعذر ذلك من أنفسنا فلذلك منعت من أن يراد جميعا بها قيل له إن ما ادعيت تعذره نحن نجده منّا متأتّيا فلا معنى لقولك به قال الشّيخ بعد نقل ذلك هذه ألفاظه بعينها قد شفناها على ما ذكره في
كتابه العمد و هذا المذهب أقرب إلى الصّواب من مذهب أبي عبد اللَّه و أبي هاشم و ما ذكره سديد واقع موقعه و القول في الكناية و التصريح يجري أيضا على هذا المنهاج انتهى كلامه رفع اللَّه مقامه و الغرض من إيراده على طوله هو التنبيه على دليل المسألة مع ما بها من فوائد أخر ننبّه على بعضها و هو أنّ الوضع سبب مستقلّ لجواز استعمال الموضوع في جميع المعاني الّتي وضع لها فإذا جاز ذلك تعيّن الحمل على الجميع عند عدم القرينة و استدلّ الشيخ في موضع آخر سابق على هذا الموضع بأنّ المقام مقام الحاجة و البيان لأنّا نتكلّم على هذا التقدير و عدم حمل الكلام على شيء من المعاني يوجب إخراج الكلام عن الإفادة إلى الإهمال و الحمل على البعض يحتاج إلى البيان فيتعيّن الحمل على الجميع و بهذا الوجه استدل القائل بوجوب الحمل على الجميع قبل زمان الحاجة أيضا و أجاب عنه الشيخ بأنّه معارض بالمثل لأنّه لو أراد الجميع لبيّنه فوجب التوقف و قد يشكل فيما ذكره الشيخ من الفرق بين زمان الحاجة و غيرها في جريان الدّليل المذكور و لم يتعرّض لوجه الفرق مع وضوح الإشكال و يمكن التوجيه بأن مقتضى الحمل قبل زمان الحاجة معدوم فأيّ المحتملات أخذ احتاج إلى الدّليل بخلاف زمان الحاجة فإنّه لا بدّ فيه من حمل الكلام على شيء لا محالة و لا يجوز إهماله فإذن يتعين الحمل على الجميع لأن عدم القرينة على التعيين قرينة على التعميم كما في النكرة الواقعة في سياق الحكم الوضعي مثل قوله أحلّ اللَّه بيعا أو الجنس الواقع في ذلك السّياق كما في قوله تعالى خلق اللَّه الماء طَهُوراً و الثمرة بين هذا الدّليل و الدّليل الأوّل ظاهرة لأنّ الأوّل مقتضى الحمل على الجميع و لو كان