بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٤٢ - السّادس
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (المقصد الأوّل) من المقاصد الخمسة فيما يتعلّق بأحوال مشتركات الكتاب كالأمر و النّهي و المفهوم و المنطوق و المطلق و المقيّد و العام و الخاصّ و المجمل و المبيّن ففيه مطالب (المطلب الأوّل) في الأوامر و النواهي و قبل الشّروع في المقصود ينبغي التّنبيه على مقدمة و هي أنّ جمع الأمر على الأوامر ليس جريا على القياس إذ القياس المطّرد في جمع الفعل هو الفعول فيقتضي أن يجمع الأمر على الأمور كما نصّ عليه في القاموس و النهاية و غيرهما فلا بدّ إمّا من حمله على السّماع أو من ذكر توجيه يجريه مجرى القياس و قد تصدى بعض المحققين لتوجيه ذلك على الوجه الّذي ينطبق على القياس بما حاصله أنّ الأوامر جمع آمرة بتقدير كلمة آمرة و كذلك النّهي و ذلك من قبيل استناد الشيء إلى الآلة توسّعا في الإسناد الّذي هو شائع متعارف في محاورات العرف و اللّغة كقولهم أنبت الرّبيع البقل و جرى الميزاب و نحوهما فيجري ذلك مجرى القياس و يكون الجمع إذا على القاعدة و فيه (أوّلا) أنّ المجاز على ما اتفق عليه أهل اللّغة لا يجمع أبدا و لم أجد منهم من فرق بين المجاز في الكلمة و المجاز في الإسناد بل عبائرهم في ذلك مطلقة فإطلاق كلامهم و عدم تعرضهم لبيان الفارق يقتضي عدم مجيء الجمع من المجاز مطلقا و لعلّه من هنا ذهب جماعة إلى أنّ الجمع من علائم الحقيقة و إن كنا أبطلناه سابقا عند ذكر علائم الحقيقة في مباحث الحقيقة و المجاز وفاقا لكثير إلاّ أنّ الابتناء في مثل ذلك على المسألة الخلافية ممّا لا وجه له إذ الوجه إنّما هو بصدد تصحيح استعمالات الفقهاء و الأصوليّين فلا يتمشى التوجيه المذكور في تلك الاستعمالات على كثرتها (و ثانيا) أنّ ارتكاب التجوّز له مقامات يطلب منهما البلاغة و ليس المقام منها فلا وجه للعدول من الحقيقة الّتي هي الأصل في الإفادة إلى المجاز المحتاج إلى سبب طار فالتوجيه المذكور ليس في محلّه و أردّ منه ما هو المحكي عن الآمدي في الأحكام من جعل الأوامر جمعا للأمور فيكون جمع الجمع لما فيه من التعسّفات و التكلّفات ما لا يخفى (أحدها) أنّ جمع الجمع ليس بقياس مطّرد كما قاله الرّضي و حكاه عن سيبويه و غيره بل يقال فيما قالوا بمعنى أنّه يقتصر على المسموع و ما سمع جمع الأمور على الأوامر (و ثانيها) أنّه غير منطبق على المقام إذ ينبغي أن يكون المراد بالأوامر حينئذ غير القول المخصوص بل العقل و الشّأن و الصّفة و نحوها و ليس كذلك (و ثالثها) أنّ الأوامر إن كان جمعا للأمور فيقتضي أن لا يصدق على أقلّ من تسعة و هو كما ترى لأنّ الجمع ما يدلّ على آحاد في جنسه (و رابعها) بأنّ كون الأوامر جمعا للأمور يستلزم نقل كلّ من الواو و الميم إلى مكان الآخر و هذا نحو آخر من التعسّف و قد يتوهّم أنّ الأوامر و كذلك النواهي جمع للآمرة و الناهية لأنّهما أحد مصادر أمر و نهي على ما نصّ عليه بعض أهل اللّغة فيكون قياسيّا من دون حاجة إلى ارتكاب تجوّز و فيه أنّ المصدر كاسم الجنس لا يثنى و لا يجمع كما صرّح به في الصّحاح و الرّضي و السيد المرتضى فيقتصر في جمع المصدر على المسموع كما في الجمع و لم يسمع الأوامر جمعا للآمرة مع أنّ جمع المصدر إنّما هو بلحاظ حال الفاعل و كذلك التثنية و ليس الملحوظ في إطلاقات الأوامر و استعمالاتهم لها حال الآمرين كما لا يخفى فالمتعيّن حينئذ حمل الأوامر بالمعنى المقابل للنّهي و كذلك النّواهي من النّهي على السّماع و دعوى أنّه من الأغلاط المشهورة غلط صرف لبعد ذلك عن حاجة جلالتهم لا سيّما عن مثل صاحب المعالم الّذي يعد من أئمة اللّغة و كذلك المحقق القمّي (رحمه الله) و خصوصا مع وروده في الخطب و الأدعيّة المأثورة من أهل بيت العصمة يشهد عليه أيضا ما في الصّحاح الأمر واحد الأمور يقال أمر فلان مستقيم و أموره مستقيمة (ثمّ) قال و أمرته بكذا أمرا و الجمع الأوامر فجمع الأمر على الأوامر لا إشكال فيه من هذه الجهة نعم قد يورد على صاحب المعالم و المحقق القمّي (رحمه الله) و من تبعهما في التعبير عن عنوان البحث بالأوامر بأنّ العدول من المفرد إلى الجمع لا ينبغي إلا إذا كان الآحاد مختلفة في الأحكام الّتي تعلّق الغرض ببيانها و ليس الأفراد و الأنواع المندرجة تحت مادة الأمر كذلك