بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٧٤ - الأوّل الكلام في تحديد المجاز المشهور و نقل الأقوال فيه
موافقة قوله لفعله (قدّس سرّه) حيث لا يظنّ به المتوقف في الأوامر المجرّدة عن القرينة و أمّا حكمه على تقدير الإمكان و الوقوع فقد اختلف فيه إلى أقوال ثلاثة أحدها ما ذهب إليه أبو حنيفة من الحمل على الحقيقة المرجوحة الثاني الحمل على المجاز الرّاجح و هو المحكي عن أبي يوسف و الثالث التوقف و هو خيرة الأكثر (و يمكن) الاستدلال على الأوّل بما أشير إليه في وجه الامتناع من أنّ المقتضي و هو الوضع موجود و المانع غير معلوم أو مدفوع بالأصل فيجب الحكم بترتب المقتضى على المقتضي و يدفعه أنّ عدم العلم بالمانع غير كاف بل لا بدّ من إحراز العدم بالوجدان أو بالدّليل و هما مفقودان في المقام أمّا الأوّل فواضح و أمّا الثّاني فلأنّ الدّليل على عدم القرينة ليس إلاّ الأصل و هو غير ناهض في المقام بإثبات العدم لما سنحقّقه في الاستدلال على القول المختار (و قد يجاب) عن أصالة عدم القرينة بأن الشكّ في المقام شكّ في مانعيّة الموجود و هي الشّهرة فلا ينهض الأصل فيها أو في تعيين الحادث بعد العلم بوجوده للعلم الإجمالي بملاحظة المتكلّم أحد الأمرين من الوضع أو الشّهرة و أصالة عدم ملاحظة أحدهما معارضة بأصالة عدم ملاحظة الآخر و ضعفها ظاهر (أمّا الأوّل) فلأنّ أصالة العدم لا يفرق فيه بين الشكّ في وجود المانع أو مانعية الموجود (و أمّا الثّاني) فلأنّ استعمال اللّفظ فيما وضع له لا يستدعي ملاحظة الوضع إجمالا أو تفصيلا بخلاف الاستعمال في المعنى المجازي كما سبق نعم تتم المعارضة عند من زعم أنّه لا بدّ في الموضوع له من ملاحظة الوضع و يستدلّ على الثاني بأنّ اللّفظ مع ملاحظة الشهرة تكون ظاهرة عرفا في معناه المجازي فتندرج تحت الظّواهر اللّفظية الّتي لا إشكال في وجوب متابعتها شرعا و عرفا و يرد عليه أنّه مصادرة واضحة إذ الخطب في كون المعنى المجازي من الظّواهر الثانوية كالأمر الواقع عقيب الحظر في الإباحة بالمعنى الأعمّ فإنّا ندعي أنّ اللّفظ إذا غلب عليه الاستعمالات المجازية اندرج تحت المجملات العرفية باعتبار مصادمة الظهور النّاشئ من الشّهرة للظّهور النّاشئ من الوضع و أصالة عدم الصّارف و من هنا يظهر أنّ المختار هو القول الثّالث المشهور الّذي عليه المحقّقون (أمّا أوّلا) فلما ذكره القوم من تعارض الظّهورين و تساقطهما (و أمّا ثانيا) فلما مرّ في ردّ القول الأوّل و حاصله و مرجعه إلى أن أصالة الحقيقة إنّما يعتبر عرفا إذا لم يكن مع اللّفظ حال صدوره ما يصلح كونه قرينة صارفة فإنّها حينئذ تصير موهونة و الأصل في ذلك أن مجرّد الوضع لا يكفي في حمل اللّفظ على الحقيقة مع الشكّ في القرينة بل لا بدّ أن يكون للّفظ ظهور نوعيّ عرفي في إرادة المعنى الحقيقي و هو إنّما يكون إذا كان اللّفظ في حين صدوره مقرونا بعدم المانع الّذي هو القرينة ثم طرأ الشكّ في وجود المانع و أمّا إذا كان مقرونا في حال صدوره بما يحتمل مانعيته فلا ظهور له و السّر في ذلك أنّ أصالة عدم المانع في الأوّل أمارة نوعيّة عند العقلاء دون الثّاني و من أجل ذلك يسري إجمال المخصّص إلى العام فيجعله مجملا اتّفاقا و ممّا ذكرنا يظهر وجه التوقف في مسألة الاستثناء المتعقب بالجمل و أشباهه كما يأتي إن شاء الله تعالى (فإن قلت) ما ذكرت من عدم وجوب الحمل على الحقيقة عند الشكّ في مانعيّة شيء مقرون باللّفظ لو تمّ فإنّما يتمّ فيما إذا كان الأمر المحتمل كونه قرينة لفظا موجودا في الكلام و أمّا غيره من الأمور الخارجية كالشهرة و قرائن الأحوال ففتح هذا الباب فيها يوجب سدّ باب الاستدلال بالأدلّة اللّفظية الشرعيّة إذ ما من خطاب إلاّ و هو محفوف بحال أو مقال يحتمل كونه مانعا عن الحمل على الحقيقة فلو بني على إجمال كلّ خطاب مقرون بما يحتمل كونه مانعا استحال الاستفادة من غير الخطابات الشّفاهيّة مضافا إلى أنّ هذا هو الّذي أنكرت عليه في إبطال ما أجيب به عن دليل القول الأوّل (قلنا) ما ذكرنا إنّما هو فيما إذا علم بصلاحية المقرون بالخطاب لكونه مانعا و قرينة صارفة كالشّهرة فيما نحن فيه و الاستثناء فيما إذا تعقب جملا متعدّدة فلا يجري مع الشّك في أصل الصلاحيّة و تلخيص ما حقّقنا أنّ الشكّ في القرينة الصّارفة يتصوّر على وجوه ثلاثة الأول أن يعلم بصدور اللّفظ عاريا عن جميع القرائن و شكّ في وجود القرينة المنفصلة عن الخطاب و الثّاني أن يشكّ في وجود القرينة باعتبار الشكّ في صلاحية ما يقارنه من الأحوال و الأقوال و غيرهما للصروف الثالث أن يشكّ في وجودها باعتبار الشكّ في اتكال المتكلّم عليها مع إحراز صلاحيتها
للتعويل كالشهرة فيما نحن فيه و توهم الحظر في الأمر الواقع عقيبه و اعتبار أصالة عدم القرينة فالعرف و الظّهور اللّفظي إنّما يسلّمان في الأوّلين دون الثالث (و الفرق) هو أن قابليّة الخطاب لإفادة المعنى المجازي غير محرزة في الأوّلين محرزة في الثالث و من الواضح أن إحراز صلاحية المقام لإرادة كلّ من الحقيقة و المجاز ممّا يمنع عن حصول الظنّ من أصالة العدم و لو شأنا بخلاف ما لو كانت أصل الصّلاحيّة مشكوكة فافهم و الفرق بين هذا الوجه و الوجه الأوّل هو أنّ ظهور اللّفظ في إرادة المعنى الحقيقي مسلّم على الأوّل و لكنه معارض بالظّهور الناشئ من الشهرة و غلبة الاستعمال في المعنى المجازي و ممنوع على الثاني (و منه يظهر) أولوية هذا الوجه عن الأوّل لأنّ الظهور اللّفظي على تقدير تسليمه لا يعارضه الظّهورات الأخر الحاصلة من غير ظواهر الألفاظ كالغلبة و نحوها و كذا لا يتوقف في العمل بالعام مع شيوع التخصيص و غلبته إلى أن قالوا ما من عام إلاّ و قد خصّ كما يأتي توضيحه إن شاء الله تعالى (و لا يذهب عليك) أن هذا لا يرجع إلى القول بإناطة حجيّة ظواهر الألفاظ بالظنّ الفعلي أو بعدم الظّن بالخلاف حتّى لو ظنّ بالقرينة أو بالمعارض سقطت عن الاعتبار بل إلى اشتراط اعتبارها بالظنّ النوعي