بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٧٥ - الأوّل الكلام في تحديد المجاز المشهور و نقل الأقوال فيه
لأنّ اللّفظ المحفوف بما يصلح للصّارفية ليس من الأمارات النوعيّة أيضا فافهم و انتظر لبقيّة الكلام في المقام الثاني هذا ثم إنّ لبعض محققي المتأخرين تفصيلا في المقام قد سبق إليه الإشارة في مبحث الوضع و نزيد هنا و نعيد (و نقول) إن حاصل ما ذكره أنّ الشهرة لها درجات خمسة الشّهرة البالغة إلى حدّ صلاحيّة التعيين دون الصّرف فيثمر فيما لو قامت قرينة صارفة فإنّها تصير حينئذ مرجّحة للمجاز المشهور على ما سواه و الشّهرة البالغة إلى حدّ المصادمة مع الظّهور الوضعي بعد ملاحظتها و الشّهرة البالغة إلى حدّ الرجحان عليه مع ملاحظتها أيضا و الشّهرة البالغة إلى حدّ إجمال اللّفظ بدون ملاحظتها مع رجحان المجاز بملاحظتها و الشّهرة البالغة إلى حدّ رجحان المجاز أيضا بدون ملاحظتها فكيف معها قال اللّفظ في المراتب الثّلاث الأول باق على حقيقته لانصراف اللّفظ إلى الحقيقة بدون ملاحظتها بل و مع ملاحظتها في الأولى دون الثانية و الثّالثة لأنّه في الثّانية بملاحظتها مجمل و في الثالثة محمول على المجاز في المرتبة الرّابعة و الخامسة منقول إلى المعنى الثّاني (أقول) أمّا ما ذكره في المرتبة الأولى و حاصله الفرق بين القرينة المعيّنة و الصّارفة و صلاحيّة الشّهرة في تلك المرتبة للثّاني دون الأوّل فهو مبني على ما اشتهر من أنّه إذا تعذّر الحقيقة فأقرب المجازات و الكلام بعد في صحّته لأنّ الشّهرة إن كانت حجّة فصالحة للأمرين و إلاّ فكيف تكون قرينة التّعيين و لذا لا يحمل المشترك على أشهر معانيه كما صرّح به المحقّق القمّي (رحمه الله) إلاّ أن يقال بأنّه لا ملازمة بين الأمرين لأنّ الصّارفة مصادمة للأصالة الحقيقة و المعيّنة غير مصادمة لها و لا يبعد في اعتبار شيء عند العقلاء في مباحث الألفاظ إذا لم يعارضه دليل فالغلبة ما يعتدّ به العقلاء إذا لم يكن في مقابلها أصل لفظي لا مطلقا أو يقال إنّ اللّفظ بعد قيام القرينة الصّارفة تصير من الظّواهر الثّانوية في المجاز الّذي غلب استعماله فيه بالنّسبة إلى سائر المجازات و هو حسن و أمّا ما ذكره في المرتبة الثّالثة ففيه أيضا إشكال لأنّ الشّهرة إذا لم تكن بالغة حدّ النّقل فكيف توجب حمل اللّفظ على المجاز و أيّ دليل على اعتبارها (فإن قلت) الدّليل على اعتبارها أن بملاحظتها يكون اللّفظ من الظّواهر العرفية في المعنى المجازي المشهور و الظّواهر اللّفظية حجّة إجماعا (قلنا) إذا كانت الشّهرة بحيث تجعل اللّفظ من الظّواهر العرفية فيكون اللّفظ حينئذ من المنقولات لأنّا لا نعني بالمنقول إلاّ ما كان ظهوره في المعنى الأوّل منقلبا إلى ظهوره في المعنى الثاني في العرف بسبب كثرة الاستعمال (فإن قلت) المنقول ما كان ظاهرا في المعنى الثّاني بدون ملاحظة الشّهرة و قد فرض هنا توقف الظّهور على ملاحظتها فالفرق حاصل (قلنا) لا تأثير للملاحظة و عدمها في الشّهرة البالغة إلى حدّ حصول العلاقة بين اللّفظ و المعنى كما يشهد به المراجعة إلى الوجدان فإن غلبة الاستعمال إن بلغت إلى ذلك الحدّ فلا يتوقف على ملاحظتها و إلاّ فلا ينفع الملاحظة و فيه تأمّل و أمّا قوله بالنقل في المرتبة الرابعة فقد تقدم تزييفه في مبحث الوضع بما لا مزيد عليه لأنّ التّردد بين المعنى الأوّل و المعنى الثاني مع قطع النظر عن الشّهرة مبني على عدم اعتبار الهجر في المنقول و إمكان بقاء المنقول منه على حاله مع تجدّد وضع آخر بسبب كثرة الاستعمال و قد ذكرنا ما فيه من البعد عن كلمات القوم لظهورها في عدم تحقق النّقل إلا بعد هجر الأوّل كما هو ظاهر عبارة المعالم و رضي به المحشّون غيره (قدّس سرّه) بل عن الاعتبار السّليم أيضا لأنّا نجد فرقا بين التعيين و كثرة الاستعمال في أنّ الأوّل يمكن أن يكون سببا لحصول العلاقة بين اللّفظ و معنيين فصاعدا في مرتبة واحدة و حال واحد بخلاف الثّاني فإنّ سببيّته لحدوث العلاقة بين اللّفظ و المعنى بعد أن كانت العلاقة الوضعيّة منحصرة في غيره لا يخلو من بعد عقليّ أو عادّي فتأمّل جيّدا (و ربما) يظهر هذا التفصيل من السيّد الصّدر في شرح الوافية قال بعد أن ذكر أن المعنى الأوّل هو الأصل في الإفادة قبل تجدّد معنى آخر ثم إن غير المعنى الأصلي قد يكون مجازا و يدخل فيه التّخصيص و الإضمار و قد يكون حقيقة من غير هجر الأوّل و هو المشترك سواء كان من واضع واحد أم متعدّد و قد يكون مع الهجر و هو المنقول إليه و جميع هذا يكون من عوارض الوضع إلى أن قال و المجاز الغالب الّذي هجر معه الحقيقة ملحق في هذا المقام بالحقيقة كما أن المجاز المساوي يصير اللّفظ بسببه مشتركا لكن لا يبعد
أن يكون المراد بالاشتراك التوقف الّذي هو أثر الاشتراك كما هو القول في المجاز المشهور و ليس المراد هو الاشتراك الحقيقي في المجاز المساوي و القول بحصول النقل بدون هجر المعنى الأوّل ليرجع إلى مقالة المفصّل بل الّذي يظهر من التّأمّل في كلامه خصوصا بعد ملاحظة تصريحه باعتبار الهجر في المنقول قبل ذلك أنّه أراد بالمشترك الّذي جعله من أقسام الحقيقة في صدر كلامه المرتجل و بالنقل ما حصل بالوضع التعييني و أراد بالمجاز الغالب النقل الحاصل بكثرة الاستعمال لا بتخصيص مخصّص و أراد بالمجاز المساوي المجاز المشهور الّذي حكمه التوقف عند الأكثر و أنّ المراد بالاشتراك هو التوقف بل لو أطلق الاشتراك عليه حقيقة لم يكن بغريب غاية الأمر أن يقال إن الاشتراك المصطلح ما كان الترديد بين المعنيين فيه بسبب تعيين الواضع فلا يطلق على ما إذا حصل التّردد بسبب الاستعمال و هو سهل مع أنّك عرفت سابقا أن الاشتراك له إطلاق آخر أعمّ من المنقول و المرتجل هذا ثمّ إن ظاهر المحقّق القمّي (رحمه الله) أنّ القائل بحمل المجاز المشهور على المعنى المجازي أيضا لا ينكر جواز استعمال اللّفظ في المعنى الحقيقي بلا قرينة اتكالا على الوضع كالقائل بالتوقف فيمتاز عن المنقول حينئذ على القولين لأنّ النقل يمنع عن جواز استعماله في الحقيقة المرجوحة بلا قرينة و هذا يستفاد منه أمران أحدهما ما قلنا من اعتبار الهجر في النقل و الثّاني لزوم التوقف على القولين في