بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٢٤ - ٤- آية التحذير
بما فيه إفادات باكرة و تحقيقات فاخرة أحببنا التعرّض لها و الإشارة إلى ما في بعضها قال في الأوّل ما حاصله وجوه ثلاثة (الأوّل) أنّ صحّة الاستثناء إنّما يدلّ على عموم ما في المستثنى منه سواء كان بدليّا أو استغراقيا بدليل صحّة قولنا أكرم عالما إلاّ زيدا و المقصود هو الثاني بقرينة مقابلة الجواب الأوّل للجواب الثاني (و الثّاني) أن الدّال على العموم إنما هو تحقق الاستثناء و وجوده في الكلام لا صحّته و جوازه لأنّ الجواز في نظرنا إنما يقتضي حكمنا بإمكان إرادة المتكلّم للعموم لا بفعليته و هذا مثل جواز توصيف المشترك بصفات معنى معيّن من المعنيين مع جواز الحكم به في إرادة المتكلّم (و الثالث) أنّ صحّة الاستثناء إنّما تدلّ على أنّ العموم مراد من الإضافة لا أنّها موضوعة للعموم (أقول) أمّا ما ذكره في الإيراد الأوّل من كفاية العموم البدلي في الاستثناء فهو مسلم إذا كان العموم البدلي مستفادا من لفظ المستثنى منه كما في قولنا أكرم رجلا أيّا ما كان إلاّ زيدا فلو كان مستفادا من مقام الإطلاق الذي ليس دلالته على العموم لفظية باعترافه (قدّس سرّه) أمكن منع كفايته في وضع الاستثناء و ما ذكره من المثال و إن صرّح به بعض أئمة النحو كسيبويه لكنه غير مجد لأنّ مجرّد الصّحة و لو مجازا لا يجدي و إثبات كونه حقيقة دونه خرط القتاد لأنّ المتبادر من الاستثناء دخول المستثنى تحت مدلول المستثنى منه و لذا صرّحوا بأنّ الأصل في الاستثناء الاتصال مع صحّة الاستثناء المنقطع أيضا (و الحاصل) أنّ مجرّد الصّحة أعمّ من الحقيقة و المجاز و مراد صاحب المعالم هي الصّحة الوضعيّة و هو لا يكون إلا على تقدير دلالة الإضافة على العموم الاستغراقي دون البدلي الخارج عن مدلول لفظ المطلق و أمّا ما ذكره ثانيا فيتوجه عليه أنّ هذا الإيراد أيضا يتوقف على صحّة ما ذكره في الإيراد الأوّل من عدم دلالة الاستثناء على العموم الاستغراقي إذ لو ساعده على ذلك لكان الدّال على العموم هي صحّة الاستثناء لا تحققه لأنّ صحّة الاستثناء حينئذ يدلّ على كون المستثنى منه عاما أصوليّا بالوضع فيثبت المدّعى و لا حاجة إلى فعليته الاستثناء و هذا مثل صحّة التقسيم الّتي يتمسّك بها لإثبات الوضع من غير توقف في مورد الاستعمال على تقسيم و تقييد رأسا (و الحاصل) أنا لو جوّزنا الاستثناء حقيقة مع العموم البدلي اتجه ما ذكره من أن مجرّد الجواز لا يقضي بعموم المستثنى منه الاستغراقي إذا لم يكن حمله على عدم العموم ارتكابا للتجوّز و أمّا لو لم نجوّز ذلك بطريق الحقيقة و قلنا إنّ وضع الاستثناء على أن يكون المستثنى منه عاما أصوليا كان ما ذكره ساقطا لأنّ صحّة الاستثناء حينئذ دليل على أن المستثنى منه من ألفاظ العموم فيحمل عليه و إن لم يكن هنا استثناء أيضا نعم يتم الإيراد لو احتمل كون المستثنى منه من الألفاظ المشتركة بين العام و الخاصّ و هذا الاحتمال لا سبيل إليه في المصدر المضاف عند التحقيق نظير الجمع المعرف و أمّا ما ذكره ثالثا فلعلّه أيضا غير وارد للفرق بين إثبات العموم بإمكان الاستثناء و بين إثباته بوقوعه و الإيراد المذكور إنما يرد على الثّاني دون الأوّل لأنّه في قوة دعوى انسباق العموم إلى الذّهن بدليل جواز الاستثناء فكيف يتوجّه عليه أنّ الاستثناء إنّما يدلّ على أنّ المراد هو العموم لا أنّ اللّفظ موضوع للعموم و قال في ردّ الثاني ما حاصله أنّ الإطلاق إنّما يكفي إذا كان المراد بالمطلق الماهية المتحققة في ضمن أي فرد كان و أمّا إذا كان المراد به الماهية الموجودة في ضمن فرد معيّن كما في جاء رجل من أقصى المدينة فلا شكّ أنّه غير كاف في دلالة الآية على المدّعى و للمعترض أن يقول لعلّ المراد هو الأخير و ليس هو مجازا كما صرّح به أئمة العربية حتى يدفع بالأصل (قلت) و لقد أفاد فيما أجاد و أجاد فيما أفاد إذ التحقيق الّذي عليه أهله في باب المطلق أنّ دلالة المطلقات على صفة الإطلاق و العموم ليست مستفادة من دلالة اللّفظ عليه وضعا بل من مقدّمات أخرى يسمّى العموم الحاصل منها بالعموم الحكمي لكن الظّاهر أنّ هذا التحقيق غير نافع في المقام لجريان جميع تلك المقدّمات هنا كما لا يخفى على أهل الدّرية بمقامات الكلام و السّر في ذلك أنّ المطلقات الواقعة في سياق النواهي أو ما يجري مجراها من الأحكام الوضعية و نحوها تحمل بعد إحراز كون الكلام في مقام البيان على العموم الاستغراقي أو البدلي بحسب اختلاف المقامات و لعلّ المقام من قبيل الأول فلا مناص عن حمله على العموم الاستغراقي و كأنّه تفطّن بذلك فقال
لكن الإنصاف ظهور اللّفظ هنا في العموم (و الوجه الثّاني) من وجهي منع دلالة الآية على العموم ما أفاده أيضا سلطان العلماء من أنّه على تقدير العموم لم يفد أيضا سوى كون مخالفة جميع الأوامر بالكلّية موجبة للعقاب و هو لا يستلزم إلا كون بعض أوامره للوجوب و المدّعى هو العموم (قلت) فيما ذكره (قدّس سرّه) نظر من وجوه (أمّا أوّلا) فلأنّه على تقدير العموم لا داعي إلى اعتبار مخالفة جميع الأوامر كلّية حتى يكون في قوة السّلب الكلّي و غاية ما يوجه به ذلك أنّ قوله عن أمره وقع في حيّز النفي و هي المخالفة فعلى تقدير كونه مفيدا للعموم في نفسه أفاد وجوب الحذر عن مخالفة العموم و يرد عليه بعد النقض بما يتفاهم عرفا من نحو لا تكرم العلماء عن عموم السّلب لا سلب العموم أنّ ألفاظ العموم موضوعة لإسراء الحكم إلى الأفراد سواء كان نفيا أو إثباتا فهي آلة لملاحظة المخاطب استيعاب الحكم المذكور في الكلام لجميع الأفراد و هذا هو الاستغراق الأصولي و أمّا دلالة مثل قولنا لا تعط زيدا كلّ العشرة على سلب العموم فإنّما هو لأجل وقوع مدلول لفظ الكلّ أعني صفة العموم