بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٢٥ - ٤- آية التحذير
طرفا للنّسبة و موضوعا للحكم و هذا يتوقف على مساعدة القرينة عن سياق و نحوه و إلا فالأصل في العموم أن يكون آلة لملاحظة المنتسبين كما حققناه في غير المقام و ملخّصه أن العموم المستفاد من ألفاظه سوى لفظ الكلّ و ما يرادفه معنى حرفي آلي يراد به معرفة حال ما يتعلّق به الحكم المشتمل عليه الكلام من الاستيعاب و قضية ذلك عموم الحكم لجميع أفراد المتعلّق بالعموم الأصولي سواء كان إيجابا أو سلبا فيفيد عموم السّلب إذا كان الحكم نفيا إذ لو أريد به سلب العموم فلا بدّ فيه من ملاحظة نفس العموم طرفا للنّسبة و متعلّقا للحكم حتّى يتوجّه النّفي إلى صفة العموم و المفروض أنّ الألفاظ الدّالّة على العموم ما عدا الكلّ لا تدلّ عليه كذلك بل على النّحو المقرر الغير القابل للحكم عليه بشيء و أمّا لفظ الكلّ فهو و إن كان موضوعا للدّلالة على العموم على نحو دلالة الأسماء على تمام معانيها إلا أنّ مجرّد ذلك لا يكفي في الدّلالة على السّلب الجزئي لأنّ غاية ما يتفرع على كونه اسما كون مدلوله و هو العموم معنى اسميّا ملحوظا بالاستقلال و هذا لا ينافي أن يكون الغرض منه معرفة حال الأفراد و لأن يكون طريقا إلى معرفة متعلّق الحكم من الأفراد لا موضوعا و على تقدير التسليم فغاية ما يتفرّع على كونه موضوعا للحكم أن يتوجّه النّهي إلى العموم و يصير مدلول قولنا لا تضرب كلّ القوم مثلا ثبوت الحرمة لضرب المجموع من حيث المجموع و هذا ليس ملزوما للسّلب الجزئي المقرون بالإيجاب الجزئي أعني جواز ضرب بعض القوم حتّى يجري القول المذكور مجرى القضيّتين الجزئيتين لوضوح أن حرمة ضرب المجموع من حيث المجموع أعمّ من حرمة ضرب كلّ أحد و من حرمة ضرب البعض و لا دلالة للعام على الخاصّ إلا بعد ملاحظة مقدّمات أخرى خارجة عن وقوع العام في حيّز النفي فدلالته على السّلب الجزئي بالمعنى المذكور و على السّلب الكلّي سيّان في الافتقار إلى قرينة خارجة إذا تقرر ذلك (فنقول) قوله (رحمه الله) إنّ مخالفة مجموع الأوامر يستلزم كون بعض أوامره للوجوب دون الكلّ ليس على ما ينبغي (أمّا أوّلا) فلأنّ العموم الملحوظ في الإضافة ليس على حدّ العموم المستفاد من لفظ الكلّ إذ الأوّل متمحّض في إفادة عموم السّلب و لا يحتمل سلب العموم إلا مع قيام القرينة و إنما يحتمل ذلك احتمالا مساويا لنقيضه في العموم المدلول عليه بمثل لفظ الكلّ و الجمع (و أمّا ثانيا) فعلى تقدير المساعدة على عدم الفرق بين الكلّ و غيره من ألفاظ العموم في هذا المقام يتجه المنع أيضا لما عرفت من عدم دلالة وقوع العام في حيّز النفي على السّلب الجزئي و لا على السّلب الكلّي و لا على الإيجاب الجزئي بل إنّما تدلّ على مفهوم قابل للكلّ فيحتاج التعيين إلى مقدمة خارجية و لو أصالة الإطلاق مع وجود شرائطه نعم السّلب الجزئي هو القدر المتيقن من سلب العموم و أين ذلك من دلالة اللّفظ عليه و يحتمل غير بعيد أن يكون هذا مراده بالاستلزام دون الدّلالة لأنّه بمكان من متانة النظر و استقامة السّليقة فكيف يظنّ به ما يبادر إلى ردّه ذهن القاصر و لذا عدل عن المناقشة بعد ما ذكرها إلى قوله و لا يبعد أن يقال إنّ المتبادر من الآية الشريفة على تقدير عموم لفظ أمره كون الحكم على كلّ فرد فرد فهو السّلطان العادل اعتدل فيما عدل مشيرا به إلى التحقيق الّذي اهتدينا إليه من بركات الممارسة في إفاداته من أنّ وظيفة الألفاظ الدّالّة على العموم إسراء الحكم إلى جميع الأفراد نفيا كان أو إثباتا فهو الوارد على الحكم لا أنّ الحكم وارد عليه كما يقتضيه ظاهر وقوعه في حيّز النفي أو الإثبات و حيث خفي هذا التّحقيق على بعض أهل التدقيق أورد عليه في دعوى تبادره العموم بأنّه تحكم بحت ثم نقول أيضا (و أمّا ثالثا) فلأن حرمة مخالفة جميع الأوامر لعلّها لا تستلزم كون بعضها للوجوب أيضا ضرورة أنّ مخالفة جميع أوامر المولى قبيحة يجب الحذر عنها مطلقا سواء كان كلّها للوجوب أو للندب أو للقدر المشترك لدلالتها على نفرته عن مرضاة المولى و عدم الاعتناء بكلامه و سوء سريرته خصوصا في أوامر الشّارع لبعد استناد الترك في الكلّ إلى عدم الدّاعي فيكشف إصراره عليه عن كون الداعي هي حيثية المخالفة فتدبّر و تأمّل (و أمّا رابعا) فلأنّ المدّعى ليس هو العموم كما ذكره (قدّس سرّه) إذ المقصود إثبات وضع الأمر للوجوب سواء كان جميع أوامره تعالى للوجوب أو لم يكن شيء منها فضلا عن أن يكون بعضها للوجوب و بعضها للندب كيف و دعوى العموم ممّا لا
وجه لها في المقام و لا سبيل إليها أيضا مع ما هو المعلوم في أوامر الشارع من المستحبّات و لا يترتب عليه غرض إذ المقصود من إثبات الكلّية إن كان هو دلالة الأمر على الوجوب فهذا يحصل من ملاحظة تعليق الوعيد و التهديد على مخالفة الأمر من حيث كونه أمرا من غير أن يكون أوامره كلاّ أو بعضا للوجوب و دعوى أنّ تهديد الشّارع على مخالفة جنس الأمر يكون لغوا إذا لم يكن جميع أوامره للوجوب فالدّلالة على الوجوب موقوفة على ثبوت التهديد و هو موقوف على كون جميع أوامره للوجوب فصحّ القول بأن المدّعى هو العموم نظرا إلى توقف المدّعى عليه مدفوعة بمنع توقف التهديد على كون جميع أوامره للوجوب إذ لو كان بعض أوامره للوجوب صحّ أيضا التهديد على مخالفة الأمر من حيث إنه أمر إذا كان الوجوب من مقتضيات نفس الأمر دون القرينة بل الظّاهر صحّة التهديد مع كون جميع أوامره للنّدب فضلا عن القدر المشترك إذ لا قبح في قول السّيد لعبده إن مخالفة أمري مع قطع النظر عن أمور خارجية سبب لاستحقاق العقاب مع كون ما صدر عنه أو يصدر من الأوامر لغير الوجوب بقرينة خارجة لأنّ قبح هذا الخطاب إن كان لأجل كونه كذبا مخالفا