بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٤٣٨ - أمّا المرجحات السّندية
كثرتها إذ الظنّ الحاصل من الأقلّ أقوى و استدلّ عليه في المنية بأنّ الخبر إنما يكون حجة مع صدق الراوي و الوسائط بينة و بين الرّسول (صلى اللَّه عليه و آله) و كلّ واحد منهما يحتمل صدقه و كذبه فأحوالهما أربعة يكون الخبر حجّة في حالة واحدة و هو ما إذا كانا صادقين و إن كان اثنين كان الخبر حجّة في حال واحد من ثمانية و إن كان ثلاثة كان واحدا من ستة عشر و هكذا و ليس حجة في باقي الأحوال و حينئذ يضعف الظنّ عند تعدد الوسائط و تكثرها حتى إنّه ربّما أدّى إلى زوال الظنّ بالكلّية انتهى و منها ما يتعلّق بكيفية الرّواية ككون الخبر موقوفا على الرّاوي أو مرفوعا إلى المعصوم (عليه السلام) أو كونه مشتملا على ذكر سبب حدوث الحكم و عدمه أو كونه منقولا باللّفظ أو بالمعنى أو الاعتضاد بحديث سابق و عدمه و تصديق الأصل المروي عنه و تكذيبه و الإسناد و الإرسال و غير ذلك ممّا ذكروه مثل تقدم الإسلام فإنه يقدّم على المتأخر و غير ذلك مما ذكروه و ضبط بعض هذا القسم من المرجّح أعني السّندي بثلاثة أقسام أحدها ما يكون بحسب حال الرّاوي نفسه قال و هو يحصل من وجوه فذكر قريبا من عشرين وجها و ثانيها ما يكون بحسب تزكية الراوي فذكر فيه وجهين أحدهما ما يعود إلى المزكّى كمّا و كيفا و ثانيهما ما يعود إلى كيفية التزكية من حيث كونها قولية أو عملية نصّا أو ظاهرا و ثالثها ما يكون باعتبار كيفية الرّواية فذكر فيه بعض ما ذكرنا و زاد عليه و الغرض من ذكر هذه الوجوه ليس هو الاعتماد عليها كيف و بعضها ممّا لا مساس له بقوّة السّند كالذّكورية و الحرية على ما ذكره بعض و نفي عنه البأس في النهاية قياسا له بالشهادة بل لبيان حال العلماء و اهتمامهم بالعمل بالترجيح حتّى عملوا بما ليس بمرجح إلاّ عند بعض الأنظار القاصرة محافظة لقاعدة الترجيح و حرصا على مراعاة المزايا معلومها و مظنونها و محتملها بل و موهومها و قد ذكروا أشياء أخر طوينا الكلام عنها لعدم الفائدة في ذكرها على تقدير صحتها فضلا عن تقدير فسادها لأنّ وجوه التراجيح غير محصورة و الغرض من إطالة الكلام و البسط كما صدر عن الأكثر إن كان هو الاستيفاء التام فهو غير ميسور مستحيل و إن كان هو إعطاء القاعدة في ضمن المثال فيحصل بأقلّ ممّا ذكروه فلا مجرى لقاعدة الميسور في المقام نعم هنا شيء مهمّ لم يتعرّضه أحد سوى شيخنا (قدّس سرّه) في الرّسالة فلا بدّ من التعرّض له و هو أن مبنى هذه الوجوه هل هو على إفادتها الظنّ أم لا و المصرّح به في عبارات القوم كلاّ و جلاّ هو الأوّل حيث ينادون بأعلى أصواتهم بذلك و يستدلّون على وجوب تقديم صاحب المزيّة بأنّها تفيد الظنّ بخلاف فاقدها و بذلك صرّح أيضا صاحب المفاتيح و استشكل فيما لا يحصل منه الظنّ من وجوه التراجيح من حيث إنّ الأحوط الأخذ بما فيه المرجح و من إطلاق أدلّة التخيير و قوى ذلك بناء على عدم الدليل على الترجيح بالأمور التعبّدية في مقابل إطلاقات التخيير و قال شيخنا (قدّس سرّه) في الرّسالة بعد نقل كلامه ما لفظه و أنت خبير بأن جميع المرجحات المذكورة مفيدة للظّن بالمعنى الثاني الذي ذكرنا و هو أنّه لو فرض القطع بكذب أحد الخبرين كان احتمال كذب المرجوح أرجح من صدقه و إذا لم يفرض العلم بكذب أحد الخبرين فليس من المرجحات ما يوجب الظن بكذب المرجوح و لو فرض شيء منها كان في نفسه موجبا للظنّ بكذب الآخر كان مسقطا له عن الحجية و مخرجا للمسألة عن مقام التعارض فيعدّ ذلك موهنا لا مرجحا إذ فرق واضح بين ما يوجب في نفسه مرجوحية الخبر و بين ما يوجب مرجوحيته بملاحظة التعارض و فرض عدم الاجتماع انتهى و حاصل ما أفاد هنا و قبل ذلك أنّ الظنّ بالواقع غير القرب منه أو البعد عن الخطإ و معنى كون الشيء مرجحا هو كونه سببا للمعنى الثاني دون الأوّل و هذا المعنى موجود في ذي المزية سواء فرض العلم بمخالفة أحدهما للواقع أم لا بخلاف الظنّ بالواقع فإنّه مختصّ بالأوّل إذ لا ظنّ في الثاني و إلاّ كان المرجوح موهوما و بقريب من ذلك صرّح بعض الأفاضل (قدّس سرّه) من متأخري المتأخرين حيث بسط الكلام في بيان المرجحات السّندية فقال الثاني أن يكون راويه راجحا على راوي الآخر في صفة يغلب معها ظنّ الصّدق كالثقة و العدالة و الورع و العلم و الضّبط و حسن الاعتقاد إلى أن قال و الوجه في
الجميع أنّ ظن الصّدق بقول من كان راجحا في وصف يفيد ظن الصّدق أغلب منه بقول من كان مرجوحا فيه ثم قال الثالث أن يكون راويه راجحا على راوي الآخر في وصف يكون قوله معه أبعد من الخطإ كالحفظ و الجزم بالرّواية و العلم و النقل بالعربيّة و مصاحبة المحدّثين و الشهرة المعروفة إذ الغالب أنّهما لا يكونان إلاّ عن قرينة يكون قول صاحبها بها أبعد عن الخطإ عن غيره انتهى فحصل أنّ الظنّ بالواقع شيء و البعد عن الخطإ شيء آخر و اكتفي بأحدهما و مآله إلى ما صرّح به شيخنا (قدّس سرّه) و حاصله أنّ بناء الترجيح ليس على الظّن خاصة بل يكفي فيه البعد عن الخطإ متى دار الأمر بين تخطئة أحدهما (قلت) و يشكل ذلك بعدم الدليل على الخروج عن أصالة التخيير أو أصالة التساقط بمجرد وصف تعبّدا من دون إفادته الظنّ لقصور الإجماعات و الأخبار عن ذلك أمّا الإجماع فواضح لتصريح الكل بأن الاعتماد على وجوه التراجيح إنّما هو لأجل إفادتها الظن فراجع كلماتهم و لاحظ و قد عرفت كلام العميدي (قدّس سرّه) في المنية و عرفت تصريحه بذلك و غيره أيضا مثل المحقق القمّي (رحمه الله) مصرّح بذلك فكيف يدعى شمول كلامهم لما لا يفيد الظنّ رأسا و أمّا الأخبار فلما عرفت من [المباحث] المنافاة الواردة