بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ١٤٩ - الكلام في أدلة مذهب الأعمي
اللّفظ في المعنى إذا لم يكن مبنيا على بعض وجوه التجوز فلا بدّ أن يكون مبنيّا على الوضع و يدفعه أن هذه الإطلاقات من وجوه المسامحة العرفية في ألفاظ المركبات قضاء لحق تأدية المراد بلفظ أقرب و أخصر و مراعاة ملاحظة العلاقة و سائر مزايا المجاز إنما تجب في غير المجاز المسامحي فإنّ المفاهيم المتقاربة لمعاني المركبات الحقيقة غير محصورة لا يسع لأهل العرف التعبير عنها إلاّ بألفاظ تلك المركبات و هو ليس مجازا مرسلا أو استعارة أو ادّعائيّا حتى يلزم أن تكون مقرونة بالأغراض المجازية بل هو نحو آخر من المجاز ناش من المسامحة و فرض غير الموضوع له بمنزلة الموضوع له و جعلهما مشتركين في الاسم لضرورة التعبير و عدم وجود لفظ آخر كاشف عن ذلك الغير مجازا و لذا لا ينفكّ هذا النّحو من الاستعمال عن القرائن الحالية و العقليّة و لا يعول في شيء منها على القرائن الصّارفة اللّفظية المتّصلة أو المنفصلة كما هو الشّأن في سائر المجازات فافهم و تدبّر و أكثر ما استدلّ به في القوانين يرجع إلى هذا الدّليل فتفطّن (و منها) الأمر بإعادة الصّلاة بإخلال بعض ما يعتبر في صحّتها من الأجزاء و الشّرائط و مرجع هذا الاستدلال إلى التمسّك بأصالة الحقيقة في لفظ الإعادة لإثبات المدّعى نظير الاستدلال على القول الأوّل بمثل لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب لتوقف حقيقة الإعادة على كون الصّلاة أسماء للأعمّ ليتصوّر فيه إتيان حقيقتها ثانيا فيتحقق معنى الإعادة و إلاّ فيكون المراد بالإعادة إتيان غير ما فعله أوّلا فيكون مجازا (و الجواب عنه) أيضا واضح من غير حاجة إلى إطناب بعض المحققين في حاشية المعالم مع ما فيه من بعض الغفلات و عدم المساس بالاستدلال لأنّ المراد بالصّلاة في موارد الأمر بإعادتها هي الأفعال المأتي بها قطعا و معه لا يلزم في لفظ الإعادة مجاز لاستعماله في إتيان ما فعله أوّلا مع زيادة و لو انتهض الخصم في إثبات المراد بالاستعمال رجع إلى الاستدلال المتقدّم و فيه ما مرّ مع زيادة و هي أنّ الأمر بالإعادة صحيح من دون التئام هيئتها العرفية كمن فسدت صلاته بعد التكبير فلا بدّ فيه أيضا للأعمي من الالتزام بالتجوز لا يقال المراد بالصّلاة المأمور بإعادتها هي الصّلاة الكلّية دون الأفعال المأتي بها فمعنى الإعادة حينئذ إتيان فرد آخر منها و لا ريب في أنه ليس بإعادة حقيقة بناء على مذهب الصّحيحي بخلاف مذهب الأعمي فيحتاج في الجواب إلى ما ذكره (قدّس سرّه) من دعوى صدقها بمجرّد الشّروع في الفعل لأنّا نقول ما ذكر دعوى بلا برهان و مع التّسليم يكون الاستدلال بصرف أوامر الإعادة من دون توسيط تلك الدعوى فاسدا (فإن قلت) مقتضى أصالة الحقيقة حمل لفظ الصّلاة على معناها الكلّي دون الأفعال الموجودة المأتي بها فلا مسرح في الجواب على القول بوضعها للماهية الصّحيحة إلاّ بما ذكره (قدّس سرّه) من أن نسبته الإعادة إلى الصّلاة إنما هي لأجل دخول المصلّي فيها لا لأجل حصول الماهيّة كملا (قلت) تعميم معنى الإعادة حتى يشمل ما لو كان المأتي به بعض المعاد ليس بأولى من دعوى أنّ متعلّق أمر الإعادة هو الفرد المأتي به و أنّه المراد بلفظ الصّلاة مع أنّ الظّاهر من قول القائل أعد صلاتك هو إعادة ما فعله من الأفعال جامعا للشّرط الّذي صار فوته سببا للأمر بالإعادة (و منها) ما استدلّ به العضدي من قوله (صلى اللَّه عليه و آله) دعي الصّلاة أيّام أقرائك و نظائره من النّواهي المتعلّقة بالعبادات و تقريب الاستدلال بها من وجهين (أحدهما) أنّ المراد بالصّلاة المنهي عنها هي الصّلاة الفاسدة قطعا إذ الظّاهر أنّ المنهيّ عنه ما سمّي بالصّلاة قبل النهي عنها بمعنى أنّ المتكلّم قد لاحظ الأفعال المعهودة مع قطع النظر عن وقوعها في حال الحيض و عدمه فنهى عن الإتيان بها و من الواضح أنّ الأفعال الفاقدة لشرط الطّهور صلاة فاسدة و الاستدلال بها على هذا الوجه ظاهر القوانين (قال) و ادّعاء أنّ التّسمية و إثبات الشّرط قد حصلا بجعل واحد يكذبه الوجدان السّليم لتقدّم التّسمية وضعا و طبعا و ما ذكر إنّما يصحّ إذا قيل معناه أنّ الأركان المخصوصة الّتي هي جامعة لجميع الشرائط و لكونها في غير هذه الأيام و اسمها صلاة على القول بكونها اسما للصّحيحة لا تفعليها في هذه الأيام و المفروض أن كونها في غير هذه الأيّام إنما استفيد من قوله (عليه السلام) لا تفعليها انتهى (قلت) المراد بحصول التّسمية و الشّرط بجعل واحد هو أن يقال إنّ المتكلّم قد تصوّر أفعال الصّلاة الجامعة للأجزاء و الشرائط المقرّرة ثم تصوّر عدم وقوعها من المخاطب أي الحائض فسمّي المفهوم المحصّل من الملاحظتين باسم الصلاة حين إلقاء النهي
عنها إلى المخاطب فالمنهيّ عنها حينئذ هي الصّلاة الصّحيحة أي الأفعال الملحوظ فيها جميع الشرائط حتّى شرط الطّهر و هذا المعنى و إن كان بعيدا عن الاعتبار الصّحيح و مخالفا لظاهر اللّفظ أو صريحه كما ذكره (قدّس سرّه) إلاّ أن الأوجه في إبطاله أن يقال إنّه مستحيل عقلا لما فيه من تأثير الحكم و مدخليّته في عنوان الموضوع و هو دور بيّن و من تعلّق التكليف و هو النّهي بأمر حاصل كما لا يخفى إلاّ أن يقال إنّ معنى حصول التسمية و الشرط بجعل واحد هو أن يلاحظ المتكلّم الأفعال المعهودة الجامعة لما عدا الطّهر من الأجزاء و الشرائط أو مطلق الجامعة لسائر الشّرائط سواء كانت جامعة لشرط الطّهر أم لا (ثمّ) يلاحظ النهي عنه ثم ينتزع من النّهي و المنهيّ عنه مفهوما يسمّيه بالصّلاة حال إلقاء النّهي و هذا غير مستلزم لشيء من المحذورين إذ ليس هذا طلبا لترك الممتنع ليكون تحصيلا للحاصل و لا اعتبار للحكم في الموضوع ليكون دورا محالا إلاّ أنّه مخالف للوجدان لما فيه من التفكيك بين المسمّى و المنهيّ عنه فظهر أنّ الاحتمالات المتصوّرة فيما استعمل فيه لفظ الصّلاة حال وقوعها في حيّز النّهي ثلاثة (أحدها)