بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٤٣٩ - أمّا المرجحات السّندية
عليها لو نزلت على صرف التعبّد و لم ينزّل على ما يقتضيه قاعدة الترجيح و العمل بأقوى الدّليلين و هي أيضا لا تفيد سوى العمل بالظن في الترجيح كما سيجيء ذلك في المقام الثالث إن شاء الله حيث نبيّن أنّ المستفاد منهما قاعدة كلّية و أنّ المرجّحات المنصوصة لا خصوصية لها و لا ريب في ظهورها في المعنى الأوّل القاضي باعتبار الظنّ ففي صورة عدم الظّن لا ترجيح و لو كان الراجح أقرب بالواقع و أبعد من الخطإ عند الدّوران بين كذب أحدهما عملا بالأصل القاضي بالاقتصار على القدر المتيقن بعد نهوض الأدلّة بالعموم إذ من الواضح أنّ الغرض من إعمال المرجّحات هنا هو استكشاف الواقع دون التعبّد الصّرف المبني على الموضوعية كالمرجحات المرغّبة في أئمة الجماعة أو القاضي أو الشاهد مثل الحرّية أو الهاشميّة و أمثالهما مما اعتبرت للمصالح القائمة بعينها و بعد عدم إفادة المرجح الظن بالصدور المستلزم لموهوميّة الطّرف الآخر كما هو المفروض فأيّ قاعدة لمراعاته و سيأتي في بعض المرجحات الخارجيّة كمخالفة العامة التصريح بعدم ابتنائه على صرف التعبّد و هل هذا إلاّ بناء للمرجحات على التعبد إذ مجرّد كونه أقرب إلى الصّدق من الآخر تقدير غير موجود مع عدم تأثيره في الظن لموافقته للواقع و مخالفة الأخرى له فعلا لا يجدي في دخوله تحت كلّي أقوى الدليلين لأنّ قوة الدليل من حيث كونه دليلا ما يؤثر في كشفه و دليليته على الواقع و ما ليس كذلك نمنع كونه سببا لقوّة الدّليل مثلا حرّية المخبر إذا لم يكن أقوى كشفا عن الواقع لم يكن خبر الحر أقوى من خبر العدل و كذا خبر الأعدل إذا لم يحصل منه ظن أقوى من خبر العدل لم يكن من أقوى الدّليلين (فإن قلت) مقتضى الجمود على عموم قوله (عليه السلام) خذ بأوثقهما مثلا أو أشهرهما عدم إناطة الترجيح بالظّن و إلاّ لزم تخصيص مقتضى أصالة العموم ثبت اعتبار المرجحات و لو لم يفد الظّن (قلت أوّلا) قد عرفت و ستعرف إن شاء الله أنّ الأعدلية و الأوثقية إلى آخر المرجحات المتقدّمة المنصوصة لا خصوصية لها و أنّ دائرة الترجيح أوسع من ذلك فلا بدّ من النظر في المناط المستنبط من تلك الأخبار و تطبيق المرجحات المنصوصة عليه و هو دائر بين أمرين إمّا مراعاة الظن أو مراعاة الأبعديّة عن الخطإ عند الدّوران و الثاني ليس بأولى من الأوّل بل يمكن العكس و لو بملاحظة أفهام العلماء المصرّحين ببناء المرجّحات على الظن حسبما أشرنا إليه (فإن قلت) البناء على الثاني أوفق بالعموم لأنّ الترجيح بالأقربية يطّرد إلى جميع الموارد بخلاف الأوّل فإنّه مستلزم للتخصيص و حمل العمومات على صورة الظن خاصّة (قلت) الاطّراد ممنوع أيضا لأنّ خبر الأعدل قد يكون أبعد عن الخطإ و قد لا يكون فلو دار الأمر بين تعمد الكذب من الأعدل أو العادل بأن علمنا بكذب أحدهما عن عمد لأنّ العدالة قد تصير مقهورة ما لم تبلغ درجة العصمة و دار الأمر بين نسبته الكذب إلى الأعدل أو العادل كان قول الأعدل أقرب إلى الواقع و أبعد عن الخطإ لكن لا يخفى حصول الظّن في هذا الفرض فتنعدم قاعدة الفرق بين معنى المرجح حينئذ و أمّا لو علمنا بعدم تعمّد الكذب و دار الأمر بين خطئهما لا عن عمد فليس قول الأعدل أقرب بالواقع و أبعد عن الخطإ حينئذ و هكذا الأورعيّة و الزّهد و سائر المرجّحات فإن الاطّراد ممنوع في جميع ذلك حتى في الشهرة إذ قد لا يكون المشهور أقرب إلى الواقع من غير المشهور كما لو فرض تعمّد كذب أحد المخبرين فإن دعوى كون المشهور أقرب من غيره في الصدق المخبري واضحة المنع و هكذا مخالفة العامة و غيرهما فإنّ جهات التعارض لا بدّ من ملاحظتها و ملاحظة مناسبتها للمرجح الشخصي الموجود في أحد المتعارضين فقد يكون جهة التعارض المفروضة غير مناسبة لذلك المرجّح و حينئذ لا بدّ من رفع اليد عن ذلك المرجح بناء على المعنى الثاني أيضا (و ثانيا) أنّ هذه المرجّحات خارجة عن النصّ و الدّليل على اعتبارها بالمعنى المذكور غير موجود و دعوى الإجماع المركب بينها و بين المرجحات المنصوصة في المقام كما ترى (فإن قلت) إذا كان بناء الترجيح على الظن لزم سدّ باب الترجيح ضرورة عدم حصول الظنّ من المرجّحات الّتي ذكرها القوم فما هذه التطويلات الصّادرة منهم في بيانها (قلت) الأمر كما ذكرت من عدم الاعتبار بالمرجحات المذكورة و لهذا لا نجد في الفقه منها عينا و لا أثرا كما اعترف به بعض الأكابر و إنّما ذكروها في الأصول لأن بناءهم على بيان أسباب الظنّ و لو أحيانا و دعوى عدم حصول الظّن منها رأسا مجازفة
خصوصا في المرجحات الخارجية كالشهرة و ما في الرّسالة من أنّ الظنّ بصدور أحدهما يخرج الآخر عن الاعتبار و الحجيّة فيخرج عن باب الترجيح لأنّ موهوم الصّدور ليس حجة في مقابل مظنون الصّدور فيكون العمل به في الحقيقة لعدم المعارض لا للترجيح ففيه أنّ اعتبار الخبر عند القوم ليس مبنيا على الظّن الشخصي بالصّدور فكيف يخرج عن المقام نعم بناء على مذهبه الأمر كذلك لكن يثمر في حصول الظن و زوال الظنّ من غير جهة التعارض فلو كان الخبر السّليم من المعارض موهوم الصّدور ببعض الموهنات مع قطع النظر عن التعارض فهو ليس بمعتبر على هذا المبنى أمّا لو زال الظن و صار موهوما للتعارض لم يخرج بذلك عن الحجّية لأنّ حجّيّته على وجه التخيير إنّما جاء من أدلّة التخيير لا من أدلّة حجية الخبر لأن التعارض سبب للتساقط و الخروج عن تحت تلك الأدلّة حسبما سبق في تأسيس الأصل و إنّما ثبت حجية أحدهما مخبرا بأدلّة ثانوية أخرى و مقتضى إطلاقها