بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٤٤٤ - منها مخالفة العامة
على الباطل كما يدل عليه تعليل هذا المرجح في المقبولة بأن الرّشد في خلافهم و في المشهورة بأنّ الحق في خلافهم بناء على كون المراد بالخلاف هو معناه الاسمي لا معناه المصدري و إلاّ كان من الثاني و أدلّ منه عليه قوله (صلى اللَّه عليه و آله) في رواية علي بن أسباط ائت فقيه البلد و استفته في أمرك فإذا أفتاك فخذ بخلافه فإن الحق فيه و قوله (عليه السلام) في خبر الأرجائي أ تدري لم أمرتم بالأخذ بخلاف ما يقوله العامة فقلت لا أدري فقال (عليه السلام) إنّ عليا (عليه السلام) لم يكن يدين اللّه بشيء إلاّ خالف عليه العامة إرادة لإبطال أمره و كانوا يسألونه الشيء الّذي لا يعلمونه فإذا أفتاهم بشيء جعلوا له ضدّا من عندهم ليلبسوا على الناس و يدلّ عليه ما عن أبي حنيفة خالفت جعفرا (عليه السلام) في كلّ ما يقول إلاّ أنّي لم أدر أنّه يغمض عينيه في الركوع و السّجود أو يفتحهما و رواية أبي بصير عن الصّادق (عليه السلام) قال ما أنتم و اللّه على شيء ممّا هم فيه و لا هم في شيء ممّا أنتم فيه فخالفوهم فإنّهم ليسوا على الحقيقة على شيء و مبنى هذا الوجه إمّا غلبة الباطل على أفعالهم و أقوالهم كما يدلّ عليه الرّوايات الثلاثة الأخيرة و إمّا أنهم بعقولهم المعكوسة و آرائهم المنكوسة لا يرتضون غالبا إلاّ الباطل كما يدلّ عليه رواية علي بن أسباط فالرّواية الّتي تخالف قولهم أقرب إلى الصّحة و الصّواب و هذا كما ورد في النساء شاوروهن ثم خالفوهنّ (و منها) ما يدلّ على كون مخالفة الرّواية لقولهم أمارة على صدورها عن تقية مع قطع النظر عن غلبة الباطل في أقوالهم و أحكامهم كرواية عبيد بن زرارة ما سمعت مني يشبه قول الناس ففيه التقية و ما سمعته ممّا لا يشبه قول الناس فلا تقية فيه و مقتضاها حمل ما يوافقهم على التقية مطلقا لكن بمعونة الإجماع يجب حملها على المتعارضين و لا يقدح اختصاصها بمعلوم الصّدور لأنّ المستفاد منها كون الموافقة أمارة تعبديّة على التقية نظير نصب القرينة العامة على خلاف أصل الحقيقة كما قيل إنّ قوله (صلى اللَّه عليه و آله) إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم قرينة عامة على الوجوب في أوامره (صلى اللَّه عليه و آله) و لو كان الأمر لغة و عرفا للاستحباب فلا فرق بين مقطوعي الصّدور و مظنونيه و إن أبيت عن ذلك (فنقول) إنّ دليل اعتبار سنده يجعله في حكم المقطوع و من أحكامه الحمل على التقية و إن أبيت عن ذلك ألحقنا المظنون بالمقطوع بالمناط المنقح هذا ما يقتضيه بادئ الرأي في مداليل الأخبار و أمّا الرّأي الثاني الصّائب فمقتضاه انحصارها في الوجهين الأخيرين لأن النّسبة بين الطائفة الأولى و الثالثة و الرّابعة نسبة المجمل و المبيّن و المفسّر و المفسّر خصوصا خبر الأرجائي فإنّه بصراحته يبيّن سبب الأمر بمخالفة العامة فلا وجه لاحتمال التعبّد الصّرف العاري عن الطريقية رأسا كبعض أوصاف القاضي و الشاهد و أخبار الثاني لا مساس لها بالمقام الّذي نحن فيه من الأخبار المتعارضة بل وردت في مقام بيان طريق التشيّع و التسنّن سبيلا كما لا يخفى على من أجاد التأمّل و أنّه لا يحتمل الغش و الجمع بين الطريقين و أظن أنّها وردت في طعن المذبذبين الّذين أرادوا أن يتخذوا بين التشيّع و التسنّن سبيلا كما لا يخفى على من أجاد التأمل فيها فانحصر مداليلها في الوجهين الآخرين إما الطريقية إلى الواقع أو إلى الصحة و الحق أنّه لا مانع من الجمع بينهما و الحكم بأنّ موافقة العامة و مخالفتهم ذو جهتين فمن إحداهما تكون من المرجحات المظنونة الّتي توجب رجحان مدلول أحد الخبرين على الآخر كالشهرة و من الآخر تكون من المرجحات الجهتية و قد يورد على الجهة الأولى بأن كون الرشد في خلاف العامة لا يوجب رجحان مدلول المخالف الّذي هو الوجوب مثلا إذا قالوا بحرمة شيء فخلافهم هو عدم الحرمة و هو أعمّ من الوجوب الّذي هو مدلول الخبر المخالف ضرورة عدم الملازمة شرعا و لا عادة بين عدم الحرمة الّذي فيه الرشاد و الصّلاح و بين الوجوب فلا معنى لكونها من المرجحات المضمونية الّتي توجب رجحان مضمون الخبر و قد يجاب بأن التعليل بكون الرشد و الحق في خلافهم غير مستقيم على عمومه و إطلاقه كيف و من جملة ما يقولون به التوحيد و النبوة و ضروريّات الفروع فكيف يكون الحقّ في خلافهم مطلقا فلا بدّ من أن تكون قضية غالبية محمولة على الغالب و هو انحصار الفتوى في المسألة المتعارض فيها الخبران في الوجهين كالوجوب و الحرمة فإذا كان الأمر كذلك
و كان أحد الخبرين موافقا لهم و المفروض أن الرّشد في خلافهم كان هذا سببا لرجحان الآخر إذ الغالب أنّ وجوه المسألة إذا كثرت كانت العامة مختلفين لا متفقين فمع اتفاقهم كما هو مورد هذه الأخبار و صرّح به غير واحد منهم الشهيد الثاني في محكي المسالك في بعض مسائل النكاح لا يكون في المسألة وجوه متعدّدة (قلت) و يندفع أصل الإيراد بأن الغرض من هذا المرجح توهين أحد المتعارضين و من الواضح أنّ موافقة العامة تقتضي وهنا في الموافق و يحدث فيه ضعفا نظرا إلى غلبة الباطل في أحكامهم و يكفي به ترجيحا لضدّه المخالف لأن ضعف أحد المتعارضين يوجب قوة الآخر لصيرورته بمنزلة الخبر الّذي لا معارض له و الفرق بينها و بين سائر المرجحات المضمونية كالشهرة مثلا أنّها موافقة للخبر و معاضدة له و هذه موهنة لمعارضه و مضعّفة له فيبقى الخبر حينئذ على حاله من الاعتبار السّليم عن المعارض أو المكافئ فلا حاجة إلى جعل القضية أي التعليل غالبيّة مراعاة لصيرورتها مرجحة لمضمون الخبر بل غلبة الباطل في أقوالهم و أحكامهم في الأصول و الفروع كافية في كونها مرجحة و لا حاجة إلى دعوى غلبة أخرى ثم تعليل الرشد في خلافهم عليها مع أنّ هذه الدّعوى واضحة الضعف و الفساد لأنّ الغالب تكثر وجوه المسألة لانحصارها في وجهين و لا أقلّ من التساوي ثم إنّه تظهر الثمرة بين الوجهين في أمور