بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ١٥٣ - الكلام في أدلة مذهب الأعمي
هو مفقود في المقام لأنّ ترك العبادة الصّحيحة مقدور له قبل النّذر و الفساد إنّما يأتي بالنّذر و هذا يكفي في انعقاد النّذر إذ لا يعتبر فيه استمرار إمكان المنذور إلى ما بعد النذر لعدم الدّليل عليه غاية ما في الباب امتناع حنثه و حينئذ انحصار فائدته و أثره في إفساد ما كان صحيحا من العبادة (قلت) و يمكن المناقشة فيه بأنّ صحّة النذر حكم وضعي مستفاد من وجوب الوفاء به فما ليس له صلاحية الوفاء و قابليّة الحنث لا دليل على صحّته و إن أريد إثبات حجّيته [صحّته] بمجرّد تصوير فائدة له غير الحنث كان ذلك دوريّا لأنّ الالتزام بتلك الفائدة و الحكم بترتبها على النذر موقوف على صحّته إذ الفاسد لا يترتب عليه فائدة أصلا فإثبات الصّحة يترتب تلك الفائدة و هي إفساد العبادة في المقام دوري كما لا يخفى فتأمل نعم لو قام دليل خاصّ قاض بانعقاد النّذر المذكور كان ما ذكروه وجها لصحّته عقلا (و ثانيهما) الالتزام بإمكان حنث هذا النّذر و إمكان مخالفته و هو قضيّة ما ذكره الشّهيد (قدّس سرّه) في محكي القواعد من لزوم الحنث بالدّخول في العبادة مع القول بوضع الألفاظ للماهيات الصّحيحة و هذا ما يقال من أنّ متعلّق النذر ما كان صحيحا قبل النذر فيحصل الحنث بفعلها بعد النذر و لو كانت فاسدة و أجاب عنه المحقق القمي (رحمه الله) بأنّ اعتبار الصّحة قبل النذر لا يوجب اتصاف العبادة بها بعد النّذر في نفس الأمر حتى يتصوّر إمكان الحنث (قلت) و لعلّه (رحمه الله) زعم أن القائل أراد إثبات صحّة العبادة بعد النذر أيضا مقدّمة لحصول الحنث فأجاب عنه بما أجاب و إلاّ فلا مساس بين السّؤال و الجواب كما لا يخفى و كيف كان فتوجيه ما ذكره الشّهيد (رحمه الله) من حصول الحنث على مذهب الصّحيحي يمكن بأحد أمرين (أحدهما) أن يقال إنّ متعلّق النذر و لو على قول الصّحيحي هو ترك الأفعال الجامعة لجميع الشّرائط عدى القربة نظير متعلّق الأوامر الواردة بها في العرف و الشّرع فإنّ المراد بالصّلاة المأمور بها شرعا في قوله تعالى أَقِيمُوا الصَّلاةَ* هي نفس الأفعال الجامعة للشرائط عدى القربة و هكذا سائر العبادات المأمور بها فعلا أو تركا فالمراد هي الأفعال الجامعة للشرائط عدى القربة (و حاصل ذلك) أنّ اللفظ و إن كان موضوعا للعبادة المقرونة بجميع الشرائط حتى القربة إلاّ أنّ مقام النذر كمقام الطّلب يصرفها إلى نفس الأفعال مجازا بطريق الإطلاق التسامحي هذا على تقدير اعتبار القربة في المسمّى على مذهب الصّحيحي و إلاّ فالأمر أهون و يشكل ذلك بما لو صرّح النّاذر بترك العبادة الجامعة للشرائط حتى القربة فإنّ هذا الجواب لا يجدي في صحّة هذا النّذر و إنّما يجدي في النذور المتعارفة بين المتشرعة لكنه يصلح توجيها لقول الشهيد بالحنث لأنّ نظره إلى ما هو المتعارف بين الناس من النذور و كذا يصلح إبطالا للتالي على بعض الوجوه بأن يقال إن أريد بالتالي بطلان النذور و المتعارفة بين الناس بناء على مذهب الصّحيحي فهو ممنوع لما ذكر و إن أريد به بطلان النذر على ترك العبادة الجامعة لجميع الشّرائط حتى القربة كما يقتضيه ظاهر اللّفظ على هذا المذهب فهي صحيحة لكن بطلان التالي حينئذ ممنوع و السّند ما مرّ (و ثانيهما) أن يقال إنّ متعلّق النذر و إن كان هي العبادة الصّحيحة لكن مخالفة هذا النذر عرفا تحصل بإتيان القدر المقدور من الأجزاء و الشرائط بأن يدعى أنّ المرجع في مخالفة النذر و هو حكم العرف بها و هي عند العرف لا تناط دائما بفعل ما تعلّق النّذر بتركه كملا بل قد يحصل بفعله ناقصا إذا كان النّقص حاصلا من نفس النذر (توضيحه) أن من حلف أو نذر على ترك فعل مركب فإن بقي ذلك الفعل بعد النذر ممكنا توقف الحنث على إتيانه بجميع الأجزاء و إن عرضه الامتناع بامتناع بعض الأجزاء و الشرائط فإن كان ذلك مسبّبا عن شيء آخر غير النذر لم يحصل الحنث أيضا بإتيان الباقي لأنّه ليس ارتكابا لما تعلّق النذر على تركه و إن كان مسبّبا عن نفس النّذر باعتبار ثبوت المنافاة بعينه و بين بعض الأجزاء و الشّرائط دار حصول الحنث و عدمه مدار ما يبقى من الأجزاء و الشرائط المقدورة فإنّ الاجتناب عنها قصوى مراتب الطّاعة كما أن ارتكابها غاية ما يتيسّر عن المخالفة هذا ثمّ إنه إن عولنا في الجواب عن الدليل على الوجهين الأولين فهو و إن عولنا على الوجه الثالث و هو الالتزام بالحنث فالظاهر أن للعبادة الفاسدة حينئذ حرمة و لو قلنا بأن حرمة العبادات الفاسدة تشريعيّة لأنّ الحرمة هذه إنّما جائت من قبل النّذر و مخالفة النذر
حرام ذاتا كمخالفة سائر الواجبات و يحتمل أن لا يتفاوت الحال بينها و بين سائر العبادات الفاسدة بناء على استناد الحرمة إلى انتفاء الشرط و هي القربة و إن كان انتفاؤها مستندا إلى النّذر و لا يخفى ضعفه (فرع) ذكر الشّهيد (رحمه الله) في القواعد الماهيّات الجعلية كالصّلاة و الصّوم و سائر العقود لا تطلق على الفاسدة إلا الحجّ لوجوب المضي فيه فلو حلف على ترك الصّلاة و الصّوم اكتفى فيه بمسمّى الصّحة و هو الدّخول فيها و لو أفسدها بعد ذلك لم يزل الحنث و يحتمل عدمه لأنّها لا تسمّى صلاة شرعا و لا صوما مع الفساد (قلت) و فيما ذكره من الحنث بمجرّد الدّخول نظر واضح و لم أعثر بموجه لذلك و يمكن أن يوجه بأنّ النّهي عن عمل شيء مركب خارجي يوجب حرمة الاشتغال به عرفا و لو لم يتم فلو نهى المولى عن صنع الصّنم أو بناء الدّار أو نحو ذلك من المركبات عدّ عاصيا عند العرف و العقلاء بمجرّد الشروع و يمكن على بعد بناء المسألة على حرمة مقدّمة الحرام إذا اقترنت بقصد التوصل إليه و لكنهما على تقدير صحّتهما إنما يجديان في حصول الإثم و العقاب لا في حصول الحنث و ترتب الكفارة إذ لا ملازمة بين آثار التكليف و الوضع كما