بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٨١ - التنبيه الثالث الكلام في أن المتبادر من إطلاق الأمر هو الوجوب المطلق النفسي العيني التعييني
إتيانه و شكّ بدوي بالنّسبة إلى ذلك الزائد فينفي اعتباره بأدلّة البراءة عقلا و نقلا و أمّا التخيير الشرعي فلما لم يكن قدر جامع بين الفردين كان حكمه حكم المتباينين لعدم انحلال الّذي يدور مداره أجزاء البراءة في الزائد و دعوى إمكان انتزاع أمر كلّي من الفردين و هو مفهوم أحدهما فيشارك التخيير العقلي من تلك الجهة بينة الفساد كما لا يخفى لأنّه لم يكن متعلّقا للخطاب و إنّما هو مفهوم انتزاعي بعد ملاحظة دوران الأمر بينهما هذا وجه التفصيلي و في كلا شقيه إشكال أمّا في الشق الأوّل فلإمكان أن يقال انتصار للقائلين بالاحتياط بأن امتثال المولى في نفسه واجب عقلا بدعوى قضاء الوجدان بذلك كما قد يقال ذلك في مورد العفو الحتمي مثل الظّهار و نحوه ممّا قام الدّليل فيه على الحرمة مع عدم المؤاخذة فإن التكليف مع عدم المحرك إلى الامتثال لغو صرف فإذا فرض الأمن من عقاب المخالفة و لم يكن هنا باعث آخر للامتثال لم يعقل العفو الحتمي مع ثبوت التكليف فعلا أو تركا و كيف يأمر العاقل مع عدم الدّاعي للمأمور إلى الامتثال خصوصا مع علمه بالمخالفة إذا لم يكن الغرض من الأمر التسجيل و العقاب كما في تكليف الكفار و لهذا استحاله جمع من المتكلّمين و أجيب عنهم بأن وجوب امتثال أمر المولى في حد ذاته مع قطع النظر عن استحقاق تركه العقاب واجب عقلا و كفي به داعيا إلى الفعل أو رادعا و على هذا أمكن إثبات وجوب الاحتياط في المقامين ضرورة عدم تحقق شيء من الامتثال حتى بالنّسبة إلى المعلوم فيهما و أمّا في الشق الثاني فلأنّه و إن لم يكن هناك قدر متيقن من الفردين إلا أنّ الفرد المعيّن معلوم التكليف على تقدير واحد لا مطلقا فلا مانع من التعويل على الأصل في غير ذلك التقدير فيقال إن القدر المعلوم هو وجوب الصّوم مثلا على تقدير عدم العتق المحتمل كونه بدلا عنه و أمّا على تقدير وجوده فوجوبه غير معلوم و استحقاق المؤاخذة على تركه حينئذ غير ثابت و حينئذ فيشارك التخيير العقلي في الحكم إذ لا فارق بينهما في الانحلال إلى معلوم التكليف و مشكوكه و إن وجها الانحلال في الموضعين هذا و يندفع الإشكال الأوّل بأن دعوى وجوب الامتثال في حدّ ذاته مع قطع النظر عن ترتب الضّرر على المخالفة لا بينة و لا مبينة و العفو الحتمي لا يتوقف على صحّة الدّعوى بل يكفي فيه استقلال العقل بقبح المخالفة و تعريض النفس على الذم و استحقاق العقاب و إن تجرد عن الفعلية و تمام الكلام في محلّه و أمّا الإشكال الثّاني فممّا لا مناص عنه و من ثمة حكمنا بالبراءة في كلا قسمي التخيير و لم نفرق بين شرعيته و عقليّته و توهّم جريان ما ذكرنا في التخيير العقلي في المتباينين أيضا فإن ترك الصّلاة الجمعة مثلا ليس معلوم الحرمة مطلقا بل على تقدير تركه و ترك الظهر فيجوز تركها عند الإتيان بالظهر تعويلا على البراءة حسبما ذكرت و هو مناف للاحتياط في المتباينين ناش من عدم التدبر فيما ذكرناه إذ من الوضوح بمكان أن عنوان صلاة الجمعة غير معلوم تعلّق الخطاب بها بخلاف عنوان الصّوم فمتعلّق التكليف هنا غير منحل إلى معلوم و مشكوك بخلافه هناك (توضيحه) و إن كنا غنيّة عنه هو أنّ في المتباينين ليس إلاّ خطاب واحد فمتعلّق الخطاب واقعا في المثال المذكور إمّا صلاة الجمعة أو الظهر فكيف يمكن التعويل بأنّ صلاة الجمعة على تقدير ترك الظّهر مبين التكليف مع احتمال أن يكون المكلف به في الواقع هو الظهر و هذا بخلاف الصّوم فإن وجوبه سواء كان في الواقع تعيينيّا أو تخييريا ممّا لا سترة فيه و لا شبهة تعتريه في كونه عينيا لا بدل له أو تخييريّا جائز الترك إلى بدله و إن شئت زيادة تحرير في المقام و تغيير أسلوب في الكلام على وجه يتضح به المرام (فنقول) إنّه بعد ما تحقق في محلّه من تحكيم حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان على أدلّة الاحتياط بما لا مزيد عليه وجب الأخذ بمقتضى أصالة البراءة مهما أمكن و لا يجوز العدول عنه إلا لمانع هناك يمنعنا عن الأخذ بمقتضاها و ليس المانع عن الأصل إلا معارضتها بمثلها فإن قضية التعارض تساقطهما فيكون المرجع حينئذ قاعدة الاحتياط و من هنا قلنا بوجوب الاحتياط في المتباينين فإن جريان أصل البراءة بالنّسبة إلى كلّ من الفردين من حيث هو غير منكر لكن لما كان معارضا بجريانه في الفرد الآخر حصل التّساقط و وجب الرجوع إلى قاعدة الاحتياط لسلامتها عن المعارض و يجب الأخذ به مع السّلامة عن المعارضة بالمثل و لا فرق في ذلك
بين أن يكون الشكّ في التكليف أو في المكلّف به فلو فرض إمكان جريان أصل البراءة فيه و لو على بعض التقادير بحيث يسلم عن المعارض وجب العمل بمقتضاه و حينئذ فمن البين أن جريان الأصل في الصّوم على بعض التقادير سليم عن المعارض حسب ما بيناه و توهم أن الأصل عدم وجوب البدل على تقدير فعل الصّوم فيكون معارضا توهم بارد لانتفاء الشكّ ضرورة إتيانه بالصّوم الّذي هو واجب على أيّ حال فلا مجرى للأصل و هذا واضح لا غبار عليه كما لا غبار على عدم مثمرية هذا النحو في تقدير المتباينين لجريانه على هذا التقدير في كلا الطّرفين فإن عمل بهما فهو الاحتياط المقصود و إن عمل بأحدهما تعيينا دون الآخر لزم الترجيح بلا مرجح و إن عمل به تخييرا فلا دليل عليه لأن دليل الأصل يقتضي العمل به تعيينا لا تخييرا فافهم و بالجملة فالمناط في تشخيص مجرى الاحتياط ليس إلا امتناع جريان أصالة البراءة لمكان التعارض و حيث لا مانع من جريانها في التخيير الشرعي حكمنا