بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٥٧ - الثّالث الكلام في بيان حكم مقدمة الحرام أ هي محرمة أم لا
الحرمة لعدم الملازمة بين حرمة الشيء و حرمة ما يتوقف عليه لأنّ ثبوت الملازمة بينهما إمّا أن تكون بالبرهان أو الوجدان و كلاهما منتفيان (أمّا الأوّل) فلأنّ ما مرّ من الأدلّة العقليّة في مقدّمة الواجب لا يجري شيء منها في المقام كما هو واضح (و أمّا الثّاني) فلأنا كلما راجعنا إلى أنفسنا عند كراهتنا بشيء لم نجد كراهة أخرى متعلّقة بمقدّمات ذلك الشيء فلا يقتضي مبغوضية شيء و قبحه مبغوضية ما هو مقدمة له لا وجدانا و لا برهانا نعم يتجه حرمة المقدّمة إذا كان تركها مقدّمة لترك الحرام لأنّ نقيض الواجب حرام إلاّ أنه منحصر بالمقدمية السّببيّة ضرورة أنّ المقدّمة الشّرطية لا يتوقف على تركها ترك الحرام لإمكان حصوله بترك مقدّمة أخرى غيرها بخلاف السّبب فإنّ ترك المسبّب يتوقف على ترك سببه بعد وجود سائر المقدّمات و كذا الجزء الأخير من الشروط فصار الحاصل أنّ الحرمة الغيرية إنما تثبت المقدمة الحرام من حيث إنّ تركها مقدّمة لترك الحرام لكونه واجبا لكنه لا يستتبع ذمّا و لا عقابا على ما هو التحقيق كما تقدم (و أمّا الثّاني) أي الكلام في حرمتها النفسيّة ففيه مقامات (الأوّل) في المقدّمة المقرونة بقصد التوصّل إلى الحرام (الثّاني) مجرّد العزم بلا ارتكاب مقدمة (الثّالث) إيجاد بعض مقدّمات صدور الحرام من الغير الّذي يسمّونه بالمعاونة على الإثم فنقول (أمّا الأوّل) فقد صرّح غير واحد محققا و منقولا منهم بعض المحققين في حاشيته على المعالم بأنّ ارتكاب شيء من مقدّمات الحرام بقصد التوصّل إليه محرم بالحرمة النفسية و استدلّوا عليه بالأدلّة الأربعة (أمّا العقل) فلاستقلاله بقبح الإقدام على مخالفة المولى و تجويز العقلاء للعقوبة من همّ بقتل مولاه و رماه بالسّهم و إن أخطأ (و أمّا الإجماع) فعن غير واحد دعوى عدم الخلاف فيه بل في كتاب بعض المتأخرين أنّ الظّاهر أنّه موضع وفاق و يؤيّده تصريح كلّ من تعرّض للمسألة بالحرمة فيما عثرنا به (و أمّا الكتاب و السّنة) فيدلّ منهما على الحرمة جميع ما يأتي في حرمة العزم على المعصية لأنّه إذا كان مجرّد العزم حراما فما ظنّك بالعزم المقرون ببعض المقدّمات بل القدر المتيقّن من تلك الأدلّة هو العزم مع التلبّس ببعض المقدمات كما يأتي كلّ ذلك مضافا إلى ما يدلّ منهما على حرمة الإعانة على الإثم فإنّ موردها و إن كان إيجاد مقدّمة فعل الغير إلاّ أنها تدلّ على حرمة مقدّمة فعل النفس بالفحوى أو المناط استدلّ له كاشف الغطاء (رحمه الله) على ما عزي إليه و يؤيّده أو يدل عليه كما استدلّ به بعض ما ورد في السّفر الّذي كان غايته حراما من وجوب الإتمام لكونه سفر معصية و لكن التحقيق أنّ حال المقدّمة المقرونة بقصد التوصّل لا يزيد عن حال العزم المجرّد فإن تمّ ما يأتي من الأدلّة الّتي استدلّ بها على حرمة العزم فيجري في المقام أيضا و تكون المقدّمة المقرونة بالقصد لاشتمالها على العزم المحرّم محرمة و إلاّ فلا وجه لحرمتها أصلا و الأدلّة المذكورة غير ناهضة بالمدّعى (أمّا العقل) فلأنّ قصوى ما يستقل به هنا هو القبح و الذّم الفاعلي دون الفعلي إلاّ على القول بقبح التجري فالمسألة مبنية على حرمة التجري بل هي هي بعينها و قد سبق منا توضيح الحال في المقال في بعض تنبيهات الواجب الغيري فراجع إلى هناك (و أمّا الإجماع) فإن كان على الحرمة هنا فإنّما هو لاشتماله على العزم و أمّا من حيث خصوصيّة الاقتران بالفعل فدون إثباته خرط القتاد (و أمّا أدلة) حرمة الإعانة على الإثم فهي أجنبية عن المقام كما لا يخفى و دعوى تنقيح المناط و الفحوى كما عن كاشف الغطاء غير واضحة و لا موضحة بل ممنوع جدّا و ما دلّ على وجوب الإتمام في السّفر الّذي قصد به الحرام ممّا لا ربط له بالمقام لأنّ سقوط الصّوم و قصر الصّلاة حكمان وضعيّان و أين هذا من الحرمة و تسمية الفقهاء هذا السّفر سفر المعصية لا يدلّ عليهما لأنّ الأصل في الإضافة أن تكون غير بيانية بل الخلاف في الإتمام في السّفر الّذي كان نفسه معصيته لا غايته شاهد على ما ذكرنا و قد تقدّم منّا الإشارة إلى ذلك في ثمرات المسألة نعم قد ثبت حرمة المقدّمة المقصود بها الحرام في بعض الموارد كالغرس للخمر و المشي لسعاية المؤمن و الخلوة مع الأجنبيّة فإن استظهرنا من تلك الأدلّة الخاصّة الواردة في الموارد المخصوصة مناطا قطعيّا أمكن التعدّي إلى غيرها ثبت المدّعى و هو حرمة ارتكاب بعض مقدّمات الحرام بقصد التوصّل إليه إلاّ أنّه مشكل لما نذكره في المقام الآتي إن شاء الله (و أمّا الثّاني) و هو العزم المجرّد عن الفعل و قد استدلّ على حرمته أيضا بالأدلة
الأربعة (أمّا الإجماع) فادّعاه شيخنا البهائي (قدّس سرّه) فيما حكي عنه حيث نسب حرمة العزم على المعصية إلى اتفاق العامّة و الخاصّة و عن الصّدوق (رحمه الله) أن اعتقادنا أنّ من همّ بسيّئة لم تكتب حتى عملها فإنّ عملها كتب عليه سيّئة واحدة و يؤيّده عدم العلم بالمخالفة في المتعرّضين للمسألة كأفضل المحققين الطّوسي (قدّس سرّه) في محكي التجريد و السّيد و الطّبرسي و صاحب المدارك فإنّهم صرّحوا بأنّ إرادة القبيح قبيحة و نية المعصية معصية و لم ينبّهوا بالخلاف في المسألة نعم ربما يتوهّم الخلاف من الشهيد (رحمه الله) حيث قال في محكي القواعد نية المعصية لا تؤثر ذمّا و لا عقابا ما لم يتلبّس بها فإنّه ظاهر في عدم حرمتها إلاّ أنّ في ذيله هو صارف عن هذه الظّهور حيث قال بعد ذلك و هو ممّا ثبت في الأخبار العفو عنه فإنّ العفو فرع الإثم و استحقاق العقاب و مقتضى الجمع بين صدر كلامه و ذيله حمل الذم على الذمّ الشرعي دون الاستحقاق العقلي (و أمّا العقل) فهو الّذي نقلناه في المقام الأول عن غير واحد من أنّ إرادة القبيح قبيحة و قد عرفت ما فيه من المنع (و أمّا الكتاب) فآيات منها قوله تعالى إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا و قد ورد في تفسيره أنّ السّمع يسأل عمّا سمعه و البصر