بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٤٢٣ - الكلام في نقل الأقوال في التعارض بملاحظة الأخبار الواردة في الباب
قال سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر كلاهما يرويه أحدهما يأمره بأخذه و الآخر ينهاه كيف يصنع قال يخيره حتى يلقى من يخبره و هو في سعة حتى تلقاه عن الكافي و في رواية بأيّهما أخذت من باب التسليم وسعك لأنّها صريحة في التخيير مع التمكن من ملاقاة من يخبره فكيف يجامع حمل أخبار التوقف عليه و فيه أنّ غرض المشهور من الجمع المذكور وجوب العمل بأخبار التخيير في هذه الأزمنة و هي أزمنة الغيبة و الانقطاع عن العلم و هي غير منافية لذلك بل مؤكدة له و إن كان مقتضاه بطلان حمل أخبار التوقف على صورة الانسداد و يعيّن حملها على محامل أخر كالتوقف في الفتوى أو الحكم الواقعي أو نحو ذلك (و الحاصل) أن أخبار التوقف لا تصلح معارضا لأخبار التخيير مع انقطاع العلم و عدم التمكن من ملاقاة الإمام (عليه السلام) من وجهين أحدهما أنّ دلالتها عليه في هذه الصّورة ضعيفة في حال دلالة أخبار التخيير عليه فيجب الأخذ بهما عملا بأقوى الدّليلين و ثانيهما أنّها معارضة بالموثقة و النّسبة بينهما هو العموم و الخصوص المطلقين فيخصّص بها و إن أبيت عن هذا التخصيص لما فيه من إخراج الفرد القدر المتيقن و هو التوقف مع إمكان تحصيل العلم تعيّن تصرّف آخر بحملها على التوقف في الفتوى و نحوه و على التقديرين يتعين العمل بأخبار التخيير في زمن انسداد باب العلم فتلخص ممّا ذكرنا أنّ مقتضى الجمع بين الأخبار هو التخيير عند الانسداد و أمّا الجمع الثاني فقيل إنه لا شاهد له و فيه أنّ شاهده المقبولة الواردة في الدين و الميراث (و أجاب عنه) في القوانين بأن العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص المحلّ و الظّاهر أنّه أراد بالعموم ما في ذيلها من تعليل التوقف حتى تلقى الإمام (عليه السلام) بأن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في المهلكات و يدفعه أنّ هذا الدّليل من مطلقات أخبار التوقف الواردة في مطلق الشبهة سواء كانت من تعارض النصّين أو من غيره و هي مطروحة أو مؤولة بإجماع الأصوليّين القائلين بالبراءة في الشبهات البدوية فلا تصلح حجّة للقول بالتوقف في خصوص التعارض الّذي هو محط الأنظار و محلّ الأفكار و إن أراد بالعموم غيره كقوله (عليه السلام) انظروا إلى رجل منّا إلى آخره ففيه أنّ ظاهره الرّجوع إليه في المسألة المسئول عنها أعني الاختلاف في الدين أو الميراث و لو سلّمنا عدم ظهور ذلك فلا أقلّ من عدم الظهور في العموم أيضا فأين العام الّذي يؤخذ به و لا ينظر إلى خصوص المحلّ و الإنصاف أن مقتضى القاعدة تخصيص أخبار التخيير بها و لا ينافيه الجمع المشهور بالمعنى الّذي فسّرناه أعني البناء على التخيير في حال الانسداد مع قطع النّظر عن حال الانفتاح لعدم تعلّق غرض الأصولي به بعد عدم كونه مقيّدا بعلم أو عمل فاللاّزم الأخذ بمقتضاها أيضا فيجمع بين الجمعين أعني الجمع الأوّل و هو حمل أخبار التخيير على زمان الانسداد و الجمع الثاني أي اختصاصها بخصوص حقوق اللّه سبحانه فالمحصّل هو التخيير حال الانسداد في خصوص حق اللّه تعالى لا مطلقا و دعوى الإجماع المركب و عدم التفصيل بين حق اللّه و حقّ الناس كما ترى نعم لا شبهة في عدم الفصل بين الدّين و الميراث و بين غيرهما من حقوق النّاس فلا يرد على المقبولة أنّها غير عامة لمطلق الحقوق فافهم و أمّا الجمع الثالث فقيل أيضا إنّه لا شاهد له و ليس كذلك لما روي من الإحتجاج عن سماعة بن مهران مهزيار عن الصّادق (عليه السلام) (قلت) يرد علينا حديثان واحد يأمرنا و الآخر ينهانا قال لا تعمل بواحد منهما حتى تأتي صاحبك فتسأل عنه قال قلت لا بدّ أن يعمل بأحدهما قال خذ بما خالف العامة وجه الشهادة أنّه (عليه السلام) حال عدم الضرورة أمر بالتوقف و لم يرخّص العمل بالترجيح فكيف عن التخيير الّذي هو دون الترجيح و دعوى عدم الملازمة بينه و بين الترجيح واهية نعم لا ملازمة بين الرّخصة في الترجيح مع الاضطرار إلى العمل و بين التخيير إلاّ أنّه غير محتاج إليه إذ مع الاضطرار يحكم العقل بالتخيير و أمّا عدم الترجيح و عدم التخيير فلا شبهة في الملازمة بينهما إذ لا معنى للنّهي عن الترجيح و إيجاب التوقف و الترخيص في التخيير كما لا يخفى فإذا ثبت عدم التخيير مع عدم الضرورة لزم تخصيص أخبار التخيير و قصرها على مورد الضّرورة و هذا الجمع أيضا لا ينافي محصّل الجمعين الأوّلين فيجمع بين الجموع الثلاثة فيخصّص أخبار التخيير بموارد الضّرورة في خصوص حق اللّه حال الانسداد و لكن سند هذه الرّواية غير واضح و لا
جابر لها و دلالتها أيضا غير نقية عن الإجمال لأنّ النّهي من العمل بأحدهما لا معنى له لدوران الأمر بين المحظورين و عدم العمل فيه غير معقول فلا بدّ من إرجاع النهي إلى أمر معقول كالفتوى و الترجيح و إن كان مخالفا للظّاهر فيكون أجنبيّا عمّا نحن فيه من التوقف في مقام العمل هذا مع أنّ اللاّزمة بين عدم الترجيح و عدم التخيير ليس بذلك الوضوح إذ لا مانع عقلا من أن يكون العمل بالترجيح مع عدم الضرورة ممنوعا و التخيير جائزا لأنّ دين اللّه لا يصاب بالعقول و أمّا الجمع الرّابع الّذي ذهب إليه صاحب الوسائل فاستند فيه إلى رواية العيون عن الرّضا (عليه السلام) أنّه قال في حديث طويل فما ورد عليكم من حديثين مختلفين فاعرضهما على كتاب اللّه فما كان في كتاب اللّه موجودا حلالا أو حراما فاتّبعوا ما وافق الكتاب و ما لم يكن في كتاب اللّه فاعرضوا على سنن رسول اللّه فما كان في السّنة موجودا منهيّا عنه نهي حرام أو مأمور به عن رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله) أمر إلزام فاتبعوا ما وافق نهي النبي (صلى اللَّه عليه و آله) و أمره و ما كان في السّنة نهي إعافة أو كراهة ثم