بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٦٥ - المقدّمة الأولى
جاز التمسّك فيه بالتبادر و غيره من طرق الأوضاع و إن رجع إلى البحث عن الملازمة بعد الاتفاق على المطابقة كان المرجع فيه هو الوجدان أو البرهان دون التبادر و نصّ أهل اللّسان فافهم (و منها) الإرشاد و هو أيضا في غاية الكثرة في الكتاب و السّنة أو العرف و اللّغة و منه قوله تعالى وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ و قوله وَ أَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ و جميع ما تعلّق بأبواب المعاملات من أجزائها و شرائطها و جميع أوامر النصّاح و الوعّاظ و الأطبّاء إلى غير ذلك ثم إن كون الإرشاد إنشاء مغاير للطّلب على حدّ سائر الإنشاءات المغايرة له كالتّمني و الترجي و نحوهما فيكون قسيما للطّلب أو قسما منه قسيما للوجوب و الندب أو إخبارا محضا عن المصلحة فيكون الأمر مستعملا في الخبر كما أن الخبر قد تستعمل في الإنشاء كصيغ العقود و نحوها وجوه و أقوال و الّذي لعلّه يظهر من بعض المحققين في بعض كلامه هو الأوّل حيث قال إن العاقل لا يكون طالبا لما هو مبغوض له واقعا مع أن الأمر الإرشادي قد يتعلّق بما هو مبغوض للآمر و هو ظاهر كلامهم في تعداد معاني الأمر لأن قضية المقابلة أن يكون الأمر الإرشادي مباينا لها و نقل من بعض أنّه قسم من الطلب الغير الإلزامي لكنه مغاير للأمر الندبي بأن مصلحة النّدب مما يرجع إلى الآخرة بخلاف مصلحة الأمر الإرشادي فإنها راجعة إلى الدنيا و صريح بعض و ظاهر غير واحد أنه محض الإخبار عن المصلحة الداعية إلى الأمر فيكون الفرق بينه و بين الوجوب و سائر الإنشاءات فرق الإخبار عن الإنشاء (أقول) أمّا القول الأوّل فلا يساعده برهان و لا وجدان أمّا الوجدان فواضح إذ الوجدان قاض بأنّه قسم من الطّلب و أمّا البرهان المذكور ففيه (أوّلا) أنه معارض بمثله إذ كما أن العاقل لا يطلب مبغوضه فكذا لا يرشد إلى مبغوضه (و ثانيا) أن مصلحة النصح و الإرشاد أيضا ممّا تصلح أن تكون داعيا إلى الأمر و لو بالعرض فيكون المرجوح بالذات راجحا بالعرض فلا مانع من تعلّق الطّلب بالمبغوض تعويلا إلى محض الإرشاد (و ثالثا) أنّ ذلك مبني على القول بالكلام النفسي فإنّه على القول به أمكن أن يقال إن الإرشاد إنشاء مستقلّ كسائر الإنشاءات و أمّا على المختار من أنّه ليس في نفس الأمر شيء ورى الإرادة و أنّ المقصود من ذكر الصّيغة ليس إلاّ إظهارها و الإعلام عنها لأيّ غرض كان سواء كان ذلك لنفس محبوبية الفعل أو محبوبية إتيان المأمور أو لجهة خارجية من ثقة و نحوها فلا كما لا يخفى و أمّا القول الثاني و هو الفرق بملاحظة مصلحة المأمور به من حيث كونها دنيوية و أخروية ففيه (أوّلا) أنه يلزم منه خروج أطيعوا اللّه و أطيعوا الرّسول و نحوهما من أوامر الإطاعة عن كونها إرشاديّا و دخولها في الأوامر الشرعيّة لأنّ المصلحة الباعثة إليها كلّها راجعة إلى الآخرة مع أن كونها أوامر إرشادية ممّا لا سترة عليه و لا ينبغي الإشكال فيه و يلزم أن يكون ما تعلّق من التكاليف بالمآكل و المشارب الضارة أو الأفعال الموجبة لبعض المفاسد الدّنيوية من نحو البرص و الجذام و الفقر و الهلاك و ما ضاهاها من المضار الدنيوية كلّها أوامر إرشادية مع أنّها جلاّ بل كلاّ أمور تعبّدية محضة و إن كانت مصالحها راجعة إلى الدّنيا و ليست من الإرشادية الّتي جعلوها قسيما للوجوب و الندب قطعا فتعريف الإرشادي بما كان المصلحة الدّاعية مصلحة دنيوية فاسد طردا و عكسا (و ثانيا) أنّه لا يتم في الأوامر العرفية ضرورة أنّه يلزم على ذلك أن يكون الأوامر العرفية كلّها إرشادية و هو باطل بالضّرورة لأنّ أوامر الموالي كلّها أوامر مولوية مقصود بها الإطاعة و ليست كأوامر الأطبّاء مثلا مسوقة لمحض الإرشاد إلى خير المأمور فهذا التعريف لو صحّ فإنّما يصحّ في خصوص الأوامر الشرعية دون غيرها و لعلّه لأجل التعميم فسّره بعض بما كان مصلحة الأمر راجعا إلى المولى دون المأمور فإن هذا التعريف يصلح ميزانا للفرق بين الإرشادي و غيره في خصوص الأوامر العرفية لكنّه لا يصلح ميزانا للفرق في الأوامر الشرعيّة فالفرقان فاسدان بوجهين متعاكسين هذا و يمكن الذّب عن الأوّل بأن دعوى بطلان اللاّزم مصادرة إذ لا مانع من جعل أوامر الإطاعة أوامر شرعية و تسميتها أوامر إرشادية ممّا لا يساعده اصطلاح و لا اعتبار و هل هو إلاّ تخرج بلا مدرك (و الحاصل) أنّه يمكن جعل الفرق بين الأمر الشرعي و الأمر الإرشادي بما ذكر و حاصله أن كلّ أمر من أوامر الشارع سبق لأجل التبليغ إلى مصالح الآخرة فهو أمر شرعي تعبّدي وضع الشرع لأجله سواء كان
بلا واسطة أو بواسطة المفاسد الدنيوية فإنّها كلاّ أو جلاّ قنطرة إلى المفاسد الأخروية و إذا كان المفسدة ممّا لا تعود إلى الآخرة أصلا كبعض المفاسد الدّنيويّة الّتي ليست مستحبة و لا مكروهة في الشّرع لكنّها متعلّقة للأمر لا الكتاب أو السّنة مثلا مثل قوله تعالى وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ و نحوه مما لا يترتب على مخالفته و موافقته سوى فوت الغرض الدّنيوي فهذا أمر إرشادي أي ليس الغرض منه سوى الإرشاد إلى المصلحة الدنيوية الّتي هي خارجة من مقاصد الشارع الباعثة على وضع الشرع و لو كان مما تعود إليها فهي أوامر شرعية سواء تعلّقت بالمفاسد الدّنيوية أم لا فالمراد من المصلحة الدّنيوية ما كانت خالصة للدنيا غير عائدة إلى الآخرة أبدا و الظاهر أن اصطلاح العلماء (رحمه الله) بهذا أوفق من كلّ ما قيل أو يقال في تعريف الإرشادي لأن كون أطيعوا اللّه أمرا إرشاديا ممّا لا يقول به أحد و إنّما هو مبني على أن يكون الفرق بين الإرشادي و غيره شيئا راجعا إلى صفة الوجوب و الندب من ترتب الثواب و العقاب