بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٩٦ - الأوّل الكلام في أن مقدمة الواجب أ هي مسألة فقهية أم أصولية
و تأمّل و أنت خبير بأنه لو صحّ ذلك لزم أن يكون البحث عن الكلمة من حيث الإعراب و البناء مثلا لغرض من الأغراض غير معرفة حال الكلمة من حيث هي كاستنباط الحكم الشرعي داخلا في مباحث الأصول و نحوه و هو كما ترى و الصّواب أن يجاب بأن البحث عن هذه المسألة ليس بحثا عن وجوب المقدّمة حتى يكون بحثا عن الحكم الشرعي المتعلّق بفعل المكلّف بل البحث فيها بحث عن ثبوت الملازمة بين وجوب الشيء و وجوب مقدّماته و لذا تراهم جعلوا عنوان البحث هل الأمر بالشيء يقتضي إيجاب ما لا يتم إلا به أو أنّ وجوب الشّيء هل يقتضي إيجاب مقدّماته و نحو ذلك و حينئذ فلا سبيل إلى كونها من مسائل الفقه بحسب الميزان المذكور بل و احتمال ذلك غلط بين أمّا كونها من مبادي الأصول أو من مسائله اللّفظية أو العقلية فلكلّ وجه بل قول أوجهها (الأوّل) و قبل الخوض في تحقيق الكلام و تنقيح المرام لا بدّ من بيان المراد من المسائل و المبادي لكي ندخل الطّالب مع البصيرة في المقام فاعلم أن مسائل كلّ علم ما يبحث فيها عن عوارض موضوعة إمّا لذاته أو لجزئه الأخصّ أو لأمر يساويه لا لجزئه الأعمّ أو أمر يباينه و قد يضاف إلى ذلك صدق تعريف العلم و قد ظهر فساده و أن التعريف إن تخلف عن الميزان الّذي ذكروه كشف ذلك عن فساده لا فساد الميزان و المبادي قسمان (أحدهما) ما هو معدود من أجزاء العلم و هي الأدلّة المستدلّ بها للمحمولات الجزئية المنتسبة إلى جزئيات الموضوع الكلّي فأجزاء العلم ثلاثة الموضوع و المحمول المنتسب إليه و الأدلّة المستدلّ بها و حدود موضوعات المسائل و البحث عنها و عن أجزائه و عن سائر ما يرجع إليه أيضا داخل في الأجزاء فأجزاء العلم ما يذكر في خلال العلم موضوعا و محمولا و دليلا (و ثانيهما) ما هو خارج عن العلم لكنّه يتوقف عليه تحصيل العلم أو يوجب البصيرة فيه كتصوّر العلم و فائدته و شرفه و تصوّر الموضوع و تصور أجزائه و جزئياته و نحو ذلك ممّا له مدخلية أو زيادة بصيرة في العلم و ما يظهر من بعض من دخول البحث عن الموضوع و أجزائه في أجزاء العلم اشتباه أو محمول على موضوع المسائل لا موضوع العلم و إن كان موضوع المسائل راجعا إلى موضوع العلم إلا أنّ الحال يختلف باختلاف البحث عن كلّي الموضوع أو عن جزئياته و إذا تقرر ذلك (فنقول) إن موضوع علم الأصول إن كان ألفاظ الكتاب و السّنة و كان البحث عن المسائل المتعلّقة بمباحث الألفاظ باعتبار كونها من مشتركات الكتاب و السّنة اتّجه أن تكون هذه المسألة من مسائل الفنّ لأن البحث فيها عن دلالة الدّليل و لا يضرّ كونها بواسطة أمر مباين أي الوضع أو الاستعمال و قد ذكروا أنّ العارض بواسطة أمر مباين ليس من العوارض الذاتية لأنّ الواسطة هنا واسطة في الثبوت لا في العروض و الّذي ينافي ذاتية العرض استناده إلى واسطة العروض دون الثبوت و تمام البحث له محلّ آخر و لا فرق في البحث عن الدلالة بين كونها بالمطابقة أو بالتضمّن أو بالالتزام سواء كان الالتزام التزاما بينا بالمعنى الأعم أو الأخصّ أو غير بين و توهّم خروج الأخير بعدم اندراجه في الدّلالة اللّفظية ليس في محلّه و سواء كان ممّا يجوز في إثباته التمسّك بالتبادر كما إذا كان البحث فيه راجعا إلى البحث عن المطابقة أو كان البحث فيه عن نفس الملازمة بعد الاتفاق على المطابقة فالبحث عن الدلالات الثلاث بناء على ذلك بحث عن عوارض ألفاظ الكتاب و السّنة فمسائل الباب و باب النّواهي و باب العام و الخاص و المطلق و المقيد و باب المفاهيم و غيرها ممّا يتعلّق بمباحث الألفاظ تندرج في مسائل الفنّ و الحاصل أن كون المسألة من مسائل الأصول يتوقف على أمرين (أحدهما) أن يكون موضوعه ألفاظ الكتاب و السّنة (و الثّاني) أن يكون المبحوث عنه خصوص أوامر الكتاب و السّنة فلو انتفي أحدهما لم يستقم كونها من المسائل أمّا على تقدير كون الموضوع مداليل الألفاظ فواضح ضرورة أن الدّلالة عن عوارض الألفاظ و أحوالها دون المعاني فليس البحث فيها حينئذ بحثا عن عوارض الدّليل و أمّا على تقدير كونه الأعمّ و هو مطلق الأمر و النهي مثلا كما يشعر به عموم العناوين فلأنّها عارضة لها بواسطة الجزء الأعمّ و قد صرّح بعض المحققين أن العارض للجزء الأعمّ ليس من العرض الذاتي و لكنّه خلاف التحقيق الّذي عليه أهله و تمام الكلام فيه محلّ آخر و من أراد الاطّلاع على بعض ما في المقام فعليه الرّجوع إلى
ما حققناه في مقدّمة الأولى من مقدمات الكتاب و ممّا ذكرنا ظهر أمران (أحدهما) المحاكمة بين المحقق القمّي و صاحب المفصول حيث صرّح الأوّل في بعض حواشيه على القوانين بخروج البحث عن دليلية الدّليل عن مسائل الأصول نظرا إلى أن البحث عن الدّليليّة ليس بحثا عن أحوال الدليل إذ الدّليلية ليس من أحكام الدّليل و عوارضه بل هي عنوان للدّليل فالبحث عنها راجع إلى البحث عن موضوع الفنّ لا عن أحكامه فيندرج في المبادي لا في المسائل و جعل الثّاني البحث المذكور داخلا في مسائل الأصول حيث جعل موضوع الأصول ذوات الأدلّة و حينئذ تكون من عوارضها وجه المحاكمة أن موضوع الأصول إن كان مداليل الكتاب و السّنة دون الألفاظ فلا وجه لما ذكره صاحب الفصول لأن البحث عن المداليل بحث عن نفس الموضوع على هذا التقدير لا عن حكمه و عارضه و أمّا إذا كان الموضوع نفس الألفاظ