بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٣١٨ - البحث الرابع الكلام في عدم وجوب مقدمة وجوب الواجب المشروط
بالقدرة الخاصة بالوقت لم تجب الصّلاة مع الوضوء عليه حتى يأتي به من باب المقدّمة (فإن قلت) تقدم وجوب المقدمة على وجوب ذي المقدمة غير معقول لاستحالة تقدّم المعلول على العلّة لأن وجوبها معلول لوجوب ذيها (قلت) أمّا الوجوب المعلولي الشرعي المتنازع فيه فهو غير معقول أن يعرض المقدمة قبل عروض الوجوب لذيها كما قلت لكن رفع الإشكالات المتقدّمة لا يتوقف على إثبات هذا الوجوب المعلولي بل على ثبوت الوجوب العقلي و لو كان إرشاديا و قد أوضحنا حكم العقل به إرشادا لأجل دفع الضّرر المستقبل فإنّه بعد أن علم أن القدرة على المقدمة قبل الوقت كافية في صحة المؤاخذة و العقاب على ترك ذي المقدّمة في وقته حكم لدفع الضّرر بوجوبها قبل الوقت هذه قصارى ما يوجه به الجواب المذكور و فيه بعد التأمّل ما لا يخفى لفساد أصل المبنى من عدم كون القدرة شرطا للتكليف بل للمؤاخذة و العقاب لمنافاته أصل العدلية من اعتبار وصف الاختيار و المقدوريّة في الفعل الّذي يتعلّق به التكليف فإنهم صرّحوا في المبادئ الأحكامية بأن من شرائط التكليف أن يكون الفعل اختياريا مقدورا للفاعل وجودا و عدما و أن الفعل الغير الاختياري لا يتصف بالحسن و القبح المنوط بهما التكليف عند أهل التحسين و التقبيح نظير الأفعال الصّادرة من البهائم فإنّها لا تتصف بهما و لا بالمصالح المنوط بها التكاليف فكيف يقال إن القدرة ليست شرطا للتكليف بل إنّما هي شرط لصحّة المؤاخذة و العقاب و كيف يدعي العاقل أن المصالح الّتي تدور مدارها التكاليف عند الإمامية لا تتوقف على القدرة بل على البلوغ و العقل و سائر الشرائط الشرعية كالاستطاعة (فإن قلت) نحن لا نقول بأن القدرة ليست شرطا للتكليف بل نقول إن الّذي هو شرط إنما هي القدرة المطلقة من أوّل زمان العلم بالتكليف إلى آخره لا القدرة الخاصة لزمان الوقت (قلت) لا معنى لكون القدرة السّابقة كافية في جواز التكليف بالممتنع في وقته بعد تسليم كونهما شرطا للتكليف إذ العبرة بحال الفعل الّذي تعلّق به التكليف و المفروض أن الّذي تعلّق به التكليف إنّما هو الفعل المقيد بالزمان الكذائي فلا بدّ أن يلاحظ حال الفعل في ذلك الزمان لا فيما قبل نعم إن منعت اشتراط التكليف بالقدرة و جعلتها شرطا للمؤاخذة و العقاب أمكن لك دعوى الاكتفاء بالقدرة السّابقة في صحّة المؤاخذة أمّا بعد تسليم كون القدرة شرطا للتكليف كالزمان و العقل و البلوغ فلا وجه للاكتفاء بالقدرة السّابقة (ثمّ ما أجيب) به عن السّؤال الثاني غير سديد لأنّ التقدير خلاف الأصل لا يحتاج إلى الدليل و ذيل الآية لا يدلّ عليه لا مفهوما و لا منطوقا لأن منطوقها وجوب التيمم على تقدير عدم الماء و مفهومها عدم وجوبه على تقدير وجوده لا وجوب الوضوء على هذا التقدير حتى يستفاد منه اشتراط وجوب الوضوء بالقدرة على الماء بعد الوقت مع أنه بعد التّسليم أيضا لا يفيد شيئا حتى لو فرضناها مذكورة صريحة لأن اشتراط الوضوء بوجدان الماء ورد على طبق حكم العقلي نظرا إلى اشتراط جميع التكاليف بالقدرة عقلا فلا يستفاد منه أزيد ممّا يقتضي به العقل فإذا بني على أنّ العقل يقنع بالقدرة السّابقة على مجيء شرط التكليف أو زمانه فكيف يستفاد منها حكم شرعي تعبّدي آخر أزيد مما يحكم به العقل أعني اعتبار القدرة اللاّحقة خاصة في وجوب الوضوء و دعوى أن الأصل في الخطاب التأسيس لا التأكيد فتدلّ على اعتبار القدرة اللاّحقة الّتي لا يحكم بها العقل و إن كان صحيحة عندنا في صورة دوران الأمر بين الإرشادي و الشرعي خاصة لا مطلقا خلافا لأستاذنا العلاّمة (قدّس سرّه) فلم يقل به مطلقا حتى في تلك الصّورة إلا أنّها لا تنفع في المقام بعد عدم كون الاشتراط مذكورا في الكلام بل مستفادا من بعض الأوهام و خلاصة ما ذكرنا في ردّ هذا الجواب أنّ القدرة على الفعل شرط عقلي و شرعي للتكليف و الفعل مقيد بالزمان و القدرة الحالية ليست قدرة على متعلّق التكليف بل هي القدرة على الفعل مع التّجرد عن قيد الزمان فإذا كان القدرة على الفعل في وقته شرطا و علم المكلّف أن هذا الشرط غير حاصل في المستقبل فلا تكليف لا في الحال و لا في الاستقبال فلما ذا يجب عليه المقدّمة (ثمّ) إنّ إشكال تقدّم المعلول على العلّة غير مندفع بما ذكر من الوجوب الإرشادي لأنّه لا يترتب عليه آثار الوجوب الشرعي التي منها جواز نيّة الوجوب قبل الوقت فلا يرتفع به الإشكال فإنّ مبناه على كلام الأصحاب بالوجوب الشرعي و عليه مبنى قصد الوجوب بالغسل قبل الفجر و هذا نظير الوجوب النّفسي الّذي عرفت أنه غير مجد في الباب و إن كان
بينهما فرق من جهة أو جهات أخرى (و منها) أن المقدّمة و إن لم تكن واجبة قبل الوقت من حيث كونها مقدمة لكن قد يكون عدم الإتيان بها قبله مفوتا للتكليف الآتي في المستقبل و هو أي تفويت التكليف و جعل المكلّف نفسه غير قابل لأمر المولى و لو في المستقبل قبيح عقلا و شرعا مثل تفويت المكلّف به بعد الوقت في الموسّع أمّا عقلا فلما عرفت سابقا أن المولى لو قال لعبده سافر غدا و فعل العبد بنفسه ما يخرج به عن قابلية المسافرة في الغد لذمّه العقلاء و استحق عندهم الضرّاء و البأساء و أمّا شرعا فلدلالة