بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٨٢ - التنبيه الثالث الكلام في أن المتبادر من إطلاق الأمر هو الوجوب المطلق النفسي العيني التعييني
بالبراءة القاضية بالتخيير وفاقا لغير واحد من الأعاظم الأعلام فتدبّر و لا تغفل (و منها) ما لو دار الأمر بين الوجوب العيني و الكفائي قال بعض المحققين تبعا للأكثرين باقتضاء الأصل العينية قضاء لقاعدة الاشتغال و عن صريح آخرين خلاف ذلك عملا بأصالة البراءة و قد انقدح ممّا تقدّم في الدّوران المتقدّم مدرك القولين و جهة الوجهين و أن المختار هو الثاني لسراية تمام الكلام في المقام حرفا بحرف فلا نطيل بالإعادة نعم في المقامين سؤال بل إشكال و هو أن أقصى ما يستفاد من جميع ما سبق تحكّم أصل البراءة على الاحتياط و أنّ المورد مورد الأوّل دون الثاني و مجرّد ذلك لا يقضي الحكم بالتخيير به في المقام الأوّل و الكفائية في المقام الثاني كما ذكرت إذ في المقامين أصول محكمة تقتضي خلاف مقتضى البراءة و هي في المقام الأوّل أربعة أصالة عدم سقوط التكليف بالفرد المعين بسبب الإتيان بما هو مشكوك البدلية و أصالة عدم بدلية الشيء المشكوك فيه و أصالة عدم تعلّق الوجوب به و استصحاب التكليف الثابت عند الشكّ في سقوطه بالمأتي و في المقام الثاني أصلان أصالة عدم سقوط التكليف بفعل البعض و استصحاب التكليف بعده و هذه الأصول محكمة على أصالة البراءة لكون الشكّ فيها مسبّبا عن الشكّ في البدلية و المسقطية و من المقرر في محلّه تقديم الأصل الجاري في السّبب على الأصل في المسبب فلا معنى لإجراء أصالة البراءة في المسألتين (و الجواب عنه) تارة بالنقض بأجزاء الواجبات المركبة و شرائطها فإن مقتضى استصحاب التكليف هو بقاؤه بعد الإتيان بالفاقد للجزء المشكوك في جزئيته كالسورة مثلا و كذلك الأصل عدم كون الناقص مسقطا للتكليف فما هو جوابهم هناك فهو جوابنا هنا حرفا بحرف و لا يذهب عليك أن هذا النقض إنما يتجه على من فرق بين المقامين فأجرى البراءة هناك و حكم بوجوب الاحتياط هنا اعتمادا على هذه الأصول و أخرى بالحلّ أمّا عن أصالة عدم سقوط التكليف في المقام الأوّل فبأنه لا مجرى لها بعد ما عرفت من جريان أصل البراءة لانحلال العلم الإجمالي فيه إلى علم تفصيلي و شكّ بدوي لأنّ محصّل ذلك رجوع الشكّ إلى أصل التكليف بالزائد الّذي يقتضي نفيه بحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان ففي الحقيقة لا يكون تكليف بالمشكوك رأسا حتى يكون لجريان نحو هذه الأصول وقع و محلّ مضافا إلى أن العينية و التعينية ليستا لازمين شرعيين لعدم سقوط التكليف حتى يجدي استصحابه في إثباتهما فيكون تلك الأصول بالنّسبة إليها مثبتة الّتي قد اتفقت كلمة المحققين على عدم اعتبارها و أمّا عن استصحاب الوجوب فبعدم اعتباره عندنا بعد اختيارنا تبعا لأعاظم المحققين عدم اعتبار الاستصحاب بالنّسبة إلى الشكّ في المقتضي نعم الأمر على الأكثرين القائلين باعتباره مطلقا صعب (و منها) ما لو دار الأمر بين الوجوب النّفسي و الغيري ظاهر المحكي عن بعض الأفاضل بل صريحه هو أنّ الوجوب الغيري مطلقا مطابق للأصل لسلامة أصالة عدم وجوبه حال عدم وجوب الغير عن المعارض و دعوى معارضتها بأصالة عدم ملاحظة مصلحة الغير الّتي يقتضيها الوجوب الغيري مدفوعة بأنّها معارضة بأصالة عدم ملاحظة النّفس الّتي اقتضاها الوجوب النفسي و أوضح فسادا دعوى أن ملاحظة مصلحة الغير تحتاج إلى ملاحظة نفس الغير و الأصل عدمها فيقع التعارض بين هذين و بين ذينك الأصلين فلا أصل سليم في البين و ذلك لجريان مثله في الوجوب النّفسي فإنّ ملاحظة مصلحة النفس أيضا محتاجة إلى ملاحظة النفس و الأصل عدمها هذا مضافا إلى أن تعدّد مخالفة الأصول و أكثريتها لا يجدي شيئا في مقام التعارض كما هو قضية الأمارات فالأصل المذكور الّذي اقتضى الغيرية سليم على كلّ حال هذا غاية مرام الفاضل من محكي كلامه (و فيه) أنّه إن بنى على كون الاستصحاب أصلا تعبديا ثبت حجّيته بالأخبار فلا ينبغي الشكّ في عدم اعتبار نحو هذه الأصول رأسا لكونها أصولا مثبتة و الغيرية و النّفسية ليستا من آثارها الشرعية و أقصى ما يستفاد من الأخبار ترتيب تلك الآثار عليه و أمّا الآثار العقلية أو العادية فممّا لا يكون جعلها بيد الشارع فلا ينهض إخباره في نفيها و إثباتها على ما تحقق في محلّه بما لا مزيد عليه و إن بنى على اختياره من باب الظنّ كما يظهر عن بعض عبائر الأقدمين فهو و إن كان لهذه الأصول وقع و محلّ لعدم تفاوت الحال حينئذ بين الآثار الشرعية و غيرها إلا أنّه قول مهجور لا يشكّ في فساده بحيث يجلّ شأن الفاضل المذكور من أن يكون ذلك مراده بل في ذيل كلامه المحكي من أن أكثرية مخالفة الأصول في أحد الطّرفين غير مقيدة شهادة على موافقته للمشهور من كون حجية
الاستصحاب من باب التعبد لا من جهة الكشف عن الواقع و الطّريقية إليه كما هو لازم اعتباره من باب الظّن إذ لا ريب أن الأكثرية و التعدّد بناء على ذلك مفيدة غاية الفائدة لدخوله حينئذ في الأمارات الّتي يحصل التعاضد فيها بالتعدّد باتفاقهم و بالجملة لا وقع لإعمال شيء من هذه الأصول العدمية في إثبات الأحكام و من ثمة لم يعهد ذلك من العلماء الأعلام نعم جرى ديدنهم بإعمالها في مباحث الألفاظ في مقام إثبات الوضع و قد أكثروا محاولتها في مقام تعارض الأحوال كما لا يخفى على من مارس كلماتهم و راجع و تتبع و لعلّ الّذي أوقعه فيما وقع غفلة توهم أن تشبثهم بها هناك لبنائهم على كفاية الظنّ في إثبات مداليل الألفاظ و إن كان ذلك عندنا محلّ نظر بل منع و الكلام فيه موكول إلى محلّه هذا كلّه بالنّسبة إلى الأصول