بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٨٦ - و منها الاطّراد و عدم الاطّراد
توقيفية المورد بمعنى عدم جواز نسبة كلّ ما ينسب إلى الخلق من الأفعال و الأوصاف إلى الخالق لعدم إحاطة العقول بما عليه الذات المقدّسة من الصّفات الفعلية أو العينيّة فربّما تكون النّسبة كذبا بل كفرا فهو مسلّم و لكن التوقيفية بهذا المعنى ثابتة في أسماء البشر و غيره من سائر الموجودات أيضا لأنّ الإخبار بشيء عن شيء أو التعبير عن الشيء بالصّفات الزائدة عنه يتوقف على إحراز وجود المخبر به أو الصّفة في ذلك الشيء و مع عدم الإحاطة بأحوال الشّيء لا يجوز الإخبار عنه أو توصيفه بالصّفة المشكوكة و هذه توقيفية لا تنفع المجيب لأنّه إن اعترف بوجود صفة الفصل مثلا في الذّات فالتوقيفية بهذا المعنى لا تمنع جواز استعمال الفاضل فيها و إن لم يعترف به بدعوى كون الفضل عبارة عن العلم الّذي من شأنه التّبدل بالجهل فعدم الاطّراد حينئذ مستند إلى عدم كون الذات من موارد وجود المعنى الّذي يطلق باعتباره على البشر لا إلى المنع الشّرعي (و الحاصل) أنّ تأثير المنع الشّرعي في صحّة الاستعمال العرفي لا يرجع إلى معقول مع أنّا لو سلّمنا التوقيفية بالمعنى الأوّل أي تحريم خصوص التّسمية فغاية ما يترتب عليه الإثم دون الفساد فتدبّر و ممّا ذكرنا يظهر التفصّي عن النقض بسائر الأمثلة أيضا لأنّ إطلاق القارورة على الزجاجة إن كان بملاحظة وضعه الأصلي كان من قبيل إطلاق الكلّي على الفرد فيجري فيه الاطّراد و عدمه و أمّا إذا كان بملاحظة وضعه الثانوي العرفي فليس من قبيل ذكر الكلّي و إرادة الفرد بل من باب استعمال اللّفظ في نفس الموضوع له و هكذا السّخي فإن إطلاقه على البشر ليس باعتبار معنى عام يجري في الذات المقدّسة أعني مطلق الجود بل باعتبار جود خاصّ متقوم بمحلّ خاصّ و هو الجواد الّذي أمكن في حقه البخل و هكذا الكلام في الأبلق لأن إطلاقه على الفرس الّذي فيه سواد و بياض ليس من باب إطلاق الكلّي على الفرد بل من باب الاستعمال في نفس الموضوع له (و أمّا الفاضل) فيمنع فيه عدم الاطراد لكثرة إطلاقه على الذّات المقدّسة في الدّعوات المأثورة هذا ما يساعده النّظر في مجرى العلامتين و حاصله اختصاص جريانهما بالاستعمالات الّتي ترجع إلى إطلاق الكلّي على الفرد فلا يجريان في الأعلام و لا في الاستعمالات الّتي لا ترجع إلى ما ذكر هذا و تخلص الآمدي في محكي الأحكام عن الإيراد في علامة المجاز بجعل الدّال عليه عدم الاطّراد مع عدم المنع من أهل الشّرع أو من أهل اللّغة و أورد عليه العضدي باستلزامه الدّور لأنّ العلم بعدم الاطّراد حينئذ يتوقف على العلم بعدم سببه إذ لا سبيل إلى العلم بالممكن الغير المحسوس بذاته و لا بحسب آثاره إلا بسببه فالعلم به يتوقف على العلم بعدم علّة الاطّراد لأنّ علّة العدم هو عدم علّة الوجود و هو إمّا المانع أو عدم المقتضي و الأوّل مفروض الانتفاء فتعيّن الثاني و مقتضى الاطّراد ليس إلاّ الوضع فالعلم بعدم الاطّراد يتوقف على العلم بعدم الوضع و قد فرضنا حصول العلم به من العلم بعدم الاطّراد و هذا دور (و قد يجاب عنه) بما قرره المحقّق الشّريف مع التنبيه على فساده و ملخّصه مع توضيح و تحرير أنّه إن أريد بالوضع في قوله و مقتضى الاطّراد ليس سوى الوضع الوضع الشّامل للوضع المجازي فالحصر مسلّم لكن فرض انتفاء المانع حينئذ خلف مستحيل لأنّ مقتضى الاطّراد على وجه التجوز موجود في جميع الألفاظ فلا بدّ من استناد عدم الاطّراد حينئذ إلى وجود المانع فكيف يشترط عدمه و إن أريد به الوضع المختصّ بالحقائق فالحصر باطل لأنّ العلاقة المصحّحة للمجاز أيضا مقتضية للاطراد (فأجاب عنه) بأنا نختار الثّاني و نقول إن بطلان الحصر لا يندفع به الدّور لأنّ توقف العلم بعدم الاطّراد على العلم بعدم الوضع باق على حاله غاية الأمر توقفه مع ذلك على عدم العلاقة المصحّحة للتجوّز أيضا (أقول) و بما حققنا في معنى الاطّراد و عدمه تبيّن أنّ الحصر في محلّه لو أريد بالوضع خصوص الوضع الحقيقي فتدبّر (ثمّ أقول) إنّ المراد بالمنع الشّرعي و اللّغوي ما أشرنا إليه أعني النّقل الشّرعي أو اللّغوي فالدّور ينحسم من أصله كما يظهر بالتدرّب و إلا فقد عرفت عدم تأثير المنع الشّرعي في صحّة الإطلاق و أمّا المنع العرفي فهو أيضا غير معقول لأنّ استعمال الكلّي في الفرد لا يفرق فيه في نظر العقل و العرف بين الأفراد صحّة و فسادا نعم قد يكون الفرد باعتبار شيوع الكلّي في غيره عرفا نازلا منزلة الأجنبي و مثل ذلك لا يعدّ منعا عرفيا لأنّه من الانصراف الآئل إلى النّقل و إلاّ فمجرّده أيضا لا يمنع و لذا قلنا سابقا إن
عدم النقل إلى الأفراد الشائعة قد يستكشف بعدم صحّة سلب الكلي عن الأفراد النادرة فتدبر جيّدا هذا (و اعلم) أنّ الدّور المتوهّم وروده في العلامتين السّابقتين يرد على هاتين العلامتين أيضا لأنّ العلم بالاطّراد يتوقف على العلم بالوضع لذلك المعنى الّذي فرض اطّراد الاستعمال في جزئياته فلو توقف العلم بالوضع على العلم بالاطّراد لزم الدّور و مثله الكلام في عدم الاطّراد و يعرف الجواب عن الدّور هنا بما تقدّم هنالك بل اندفاع الدّور هنا أوضح لأنّ العلم باطّراد استعمال اللّفظ في جميع موارد وجود ذلك المعنى الكلّي المشكوك في كونه الموضوع له لا يتوقف على العلم بكونه الموضوع له إذ المراد باطّراد الاستعمال ليس هو الاستعمال الحقيقي كما توهّم بل مطلق الاستعمال أعمّ من أن يكون حقيقة أو مجازا و إن كان الاستعمال المطّرد لا ينفكّ عن كونه على وجه الحقيقة في الواقع نعم لو قلنا بأنّ علامة الحقيقة و المجاز هنا اطراد الاستعمال الحقيقي و عدمه كان الدّور واردا و لكنّه خلاف ظاهر الكلّ أو الجلّ إذ لم أجد ذلك إلاّ في كلام بعض الأجلّة و ممّا ذكرنا في معنى الاطّراد و عدمه تعرف أنّه لا حاجة إلى اعتبار هذا القيد لأنّ مجرّد اطّراد الاستعمال يستلزم العلم بالوضع بعد ما عرفت من أنّ المعاني المجازيّة أمور غير منضبطة غير مطّردة فمن اعتبر القيد المزبور غفلة عن معنى العلامتين بزعم أنّ الاكتفاء بمطلق