بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٢٦ - ٤- آية التحذير
للواقع فهو كذب مخالف للواقع كما لا يخفى و إن كان لأجل عرائه عن الفائدة ففوائد الكلام غير مضبوطة لا سبيل لنا إلى نفيه خصوصا في الخطابات الشرعية سلّمنا ذلك و أن التهديد على مخالفة الأمر لا يحسن إلا على تقدير كون جميع أوامره للوجوب بناء على أنّ سبب الحذر لو كان هي مخالفة بعض الأوامر كان اللاّزم حينئذ نصب القرينة عليه و حيث لا قرينة و المقام مقام البيان كان ذلك دليلا على اطّراد حيثيّة المخالفة و عدم اختصاصها بمورد دون مورد فيستفاد عنه دلالة الأمر من حيث هو على الوجوب مع قطع النظر عن قيام ما يدلّ على النّدب و أنّ مخالفة ما يدلّ على النّدب ليست مخالفة للأمر بل للقرينة لكن اللاّزم حينئذ أن يقال إنّ الاستدلال يتوقف على العموم لا أنّ المدّعى هو العموم و توجيه ذلك بما أشرنا إليه تعسّف ركيك كما لا يخفى فظهر ممّا ذكرنا أنّه لا محيص عن القول بدلالة الآية على عدم مخالفة شيء من الأوامر سواء كان العموم هنا وضعيّا مستفادا من وضع الإضافة للاستغراق أو مستفادا من مقام الإطلاق كما قرّرنا و كيف كان فالمناقشة فيها من هذه الحيثية ساقطة و هاهنا وجهان آخران لإثبات العموم (أحدهما) ما أشار إليه السّلطان أيضا من أن تعليق الحكم بمخالفة أمره من حيث هو يشعر بالعلّية (قلت) و أنت خبير بأن استنباط الحيثية أيضا يتوقف على جريان المقدّمات المتوقف عليها العموم الحكمي إذ لولاها فمن أين يعلم أنّ الحيثية الملحوظة في التهديد هي حيثيّة مخالفة الأمر و لم لا يجوز أن يكون المناط في التهديد شيئا آخر زائدا على الأمر و هي الخصوصيّة الموجودة في بعض الأفراد فيرجع استكشاف العموم بهذا الوجه إلى ما ذكره صاحب المعالم أخيرا من أنّ الإطلاق كاف في المقام فليس هذا الاستنباط طريقا ثالثا إلى إثبات العموم كما أنّه ليس براجع إلى الطّريق الأوّل فما ذكره (قدّس سرّه) أخيرا من أن استنباط العموم بملاحظة الحيثية كأنّه مراد من استفاد العموم من إضافة المصدر فيه ما لا يخفى لأن المتعلّق في إثبات العموم بذيل الإضافة يريد أنّه من العمومات المصطلحة كالجمع المحلّى باللاّم باعترافه (قدّس سرّه) لا أنّه ممّا يستفاد بملاحظة المقام و السّياق و الإشعار إذ لا مدخليّة في العموم المستنبط من هذه الوجوه للفظ المصدر و لا لإضافته كما لا يخفى (و ثانيهما) ما ذكره المدقق الشيرواني من أنّ عموم الموصول هنا يكفي في إثبات العموم و لا يضرّ إطلاق الأمر فإنّ الموصول يستغرق جميع من اتّصف بما هو مضمون الصّلة فالأمر لو كان مطلقا لكان صالحا لأن يتصف به كلّ من يخالف أمرا من الأوامر بمخالفته و يصدق عليه مخالف الأمر و الموصول يتناول ذلك المخالف إلى أن قال و أنت تعلم أنّه لو لا ذلك لما عمّ شيء من الموصولات إذ صلته جملة و الجملة في قوة النكرة فعليّة كانت أو اسميّة كما هو المشهور فيحتمل التخصيص و لا يعمّ و أوضح من ذلك لزوم عدم عموم مثل قوله تعالى مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً إلى آخره ما قال (أقول) إنّه إن أراد بهذا التدقيق تصحيح ما ذكره صاحب المعالم من أن الإطلاق كاف في المقام فنعم الكلام لكنّه مدّع بلا معارض لاعتراف كلّ من السّلطان و صاحب المعالم بذلك و قد مرّ و إن أراد أنّ عموم الموصول يكفي و لو مع الغضّ عن إطلاق الأمر و البناء على إهماله فهذا جدير بأن لا يلتفت إليه و أنت إذا تأمّلت حقّ التأمّل عرفت وجهه هذا ما اقتضاه التأمّل في مقدّمات دلالة الآية على كون الأمر للوجوب لكن في اقتضاء ذلك للمدّعى و هو وضع الصّيغة للوجوب لغة بعد نظر من وجوه (أحدها) أنّ التهديد قد وقع بالعذاب على سبيل الترديد دون التعيين لدوران المهدد به بين الفتنة و العذاب و لا مانع من ترتب الفتنة على ترك بعض المندوبات فغاية ما يفيده التهديد المذكور كون الصّيغة مشتركة بين الوجوب و الندب لفظا أو معنى قضاء لحق الاحتمالين فلا دلالة في الآية على انحصار مدلوله على الوجوب و هذا الإيراد على التّقرير المذكور غير وارد لأنّ ترتب المفسدة على بعض المندوبات لا يصلح وجها للتوعيد بالعذاب أو الفتنة في مخالفة جنس الأمر المستلزم للتوعيد في كلّ فرد على تقدير كونه مشتركا بين الوجوب و الندب فضلا عن تقدير كونها للنّدب خاصّة لجواز عدم ترتب شيء منهما في مخالفة بعض الأوامر النّدبية فالصّواب تقرير المناقشة بوجه آخر و هو أن يدّعى عدم المانع من ترتب الفتنة على ترك المندوب مطلقا و حينئذ يتوجّه المنع كما لا يخفى ضرورة عدم الملازمة بين الفتنة و
بين مخالفة الأمر الندبي (و الحاصل) أن ظاهر الآية ترتب أحد الأمرين على مخالفة الأمر و هو لا يتصور إلاّ على تقدير كون الأمر للوجوب لأنّه الّذي يترتب على مخالفته المفسدة من العذاب أو الفتنة إذ لو كان للنّدب لم يترتب عليه شيء من الأمرين و إن ترتب على بعض أفراده خصوص الأخير و كذا لو كان مشتركا بينه و بين الوجوب فإن ترتبها أيضا غير لازم في مخالفته و ترتبهما أحيانا غير كاف في تعليقهما على جنس المخالفة و دعوى ترتب المفسدة على مخالفة كلّ أمر ندبي نحو ترتب العذاب على مخالفة كلّ أمر وجوبي في معرض المنع (فإن قلت) المراد بالعذاب و الفتنة احتمالهما لا فعليتهما لأن احتمال التكفير أو التدارك أو العفو قائم في كلّ ما يقتضي العذاب أو الفتنة من الأوامر و لا مانع من تطرق احتمال الفتنة في كلّ أمر ندبي فدعوى الكلّية لا وجه لمنعها (قلت) المراد بالعذاب و الفتنة استحقاقهما لاحتمالهما و دعوى عموم استحقاق ترتب الفتنة على مخالفة كلّ أمر ندبي واضحة الفساد أيضا فظهر أنّه لا محيص عن الالتزام بكون الأمر للوجوب و لا ينافيه الترديد بين العذاب و الفتنة لأنّ مخالفة