بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٩٢ - و منها أصالة عدم القرينة
المستفاد من الخطاب الشفاهي معلوم بملاحظة تلك المقدّمة و أنّ حجّية الكتاب في حقّ المشافهين إنما هي باعتبار إفادته العلم بالمراد لهم لا باعتبار إفادته الظنّ و كون الظّن المستفاد من الخطاب الشّفاهي ظنّا خاصّا ثبت اعتباره بالدّليل كالبيّنة نعم ربما يوهم جعله عنوان البحث ظاهر الكتاب دون الكتاب أنّه أراد إبداء التفصيل في حجيّة الظنّ المستفاد من الكتاب و لكنّه مدفوع بأن هذا التعبير قد لوحظ فيه حال الغائبين لا حال المشافهين فالغائبون ينقسم بملاحظة حالهم آيات الكتاب إلى ظاهر و صريح و أمّا المشافهون فالآيات في حقّهم كلّها من النّصوص و لو بقرائن الأحوال و أمّا المحقّق القمّي (رحمه الله) فهو و إن صرّح في باب الاجتهاد و التقليد بأن الظّن الحاصل من الكتاب حجّة في حقّ المشافهين دون الغائبين لكنّه استدلّ على الحجيّة في حق المشافهين بما يدلّ على أنّ الخطاب للمشافهين كان يفيد العلم بالمراد المقصود لأنّه استدلّ على ذلك في باب حجية الكتاب بقبح الخطاب بما له ظاهر و إرادة خلافه و في باب الاجتهاد و التقليد بالإجماع و بأن اللّه تعالى أرسل رسوله بلسان قومه و أنّ المراد بلسان القوم هو ما يفهمونه و من الواضح أنّ الظّاهر من الفهم هو العلم بالمراد نعم لو لا ما ذكره في باب حجيّة الكتاب من الاستدلال على حجيّته للمشافهين بقبح الخطاب إلى آخره لأمكن التجاوز عن ظاهر لفظ الفهم هنا بحمله على الفهم الظّني بقرينة جعله عنوان البحث حجية الظنّ الكتابي للمشافهين لكن الاستدلال المزبور يمنع عن ذلك فيتعيّن التصرف في عنوان البحث بجعل الظنّ فيه عبارة عن الظنّ البدوي الزائل بملاحظة القبح المذكور أو بجعل التعبير بالظنّ باعتبار ملاحظة حالنا الغائبين لا المشافهين نظير ما مرّ في عبارة المعالم (و تلخيص المقال) أنّهما ذكرا أنّ ظاهر الكتاب أي الظنّ الحاصل من أصالة الحقيقة في ظواهرها حجة في حق المشافهين دون الغائبين و استدلا على ذلك تصريحا أو تلويحا بما يدلّ على أنّ مرادات الكتاب كانت معلومة للمشافهين و هو قبح الخطاب إلى آخره فيدور الأمر بين التصرّف في ظاهر العلّة أو صريحها و ظاهر المعلول و من المقرر أنّ ظهور العلّة حاكم على ظهور المعلول فضلا عن صريحها كما فيما نحن فيه فتعين التصرّف في ظاهر المعلول بأحد الوجهين المزبورين أو بغيرهما من الوجوه القريبة نعم نقل بعض المحققين عن بعض فضلاء عصره ذلك التفصيل و لعلّه أراد به غير المحقّق القمّي (رحمه الله) حيث صرّح ذلك الفاضل فيما نقل عنه بحجية ظواهر الكتاب بالنّسبة إلى جميع الأمة لكونه من قبيل تأليف المؤلّفين و هو خلاف صريح المحقق القمّي (رحمه الله) لأنّه لا يقول بذلك بل ينكر على من زعم شمول الخطابات الشفاهية للغائبين (و كيف كان) فهذا التفصيل مردود بما ذكره شيخنا الأستاذ دام ظلّه العالي من السّيرة الجارية بين النّاس و بناء العقلاء على العمل بمقتضى ظواهر الألفاظ و لو كان العامل غير المخاطب بها و لذا يؤاخذ بظواهر الكتابات الّتي قصد بها مخاطبة المكتوب إليه خاصّة فلو وجد في كتابة زيد إلى عمرو إقرار لبكر أو قذف أو شتم أو نحو ذلك ممّا يرجع إلى غير المكتوب إليه جاز ترتيب آثار الإقرار و القذف عليه عرفا و غير ذلك و ليس لزيد الاعتذار بعدم قصده لظاهر الكتابة باعتبار قرينة معهودة بينه و بين عمرو و لو ساعده عمرو على ذلك و إنّما استظهرنا المطلوب بهذا المثال دون كتب المصنّفين و السّجلاّت المشتملة على الأوقاف و الوصايا و العقود و نحوها لأنّها في حكم الخطابات الشفاهيّة بالنّسبة إلى كلّ أحد كما مرّ (و قد أجاب) المحقّق المزبور عن معاصره بالإجماع دون السّيرة و بناء العقلاء معترفا بعدم ثبوتهما في العمل بالظّواهر في غير الخطابات الشفاهيّة و المحاورات المتداولة بين النّاس (قلت) قد عرفت عدم الفرق بينها و بين غيرها في بناء العقلاء و أهل اللّسان (ثمّ إنّ الإجماع) لا مسرح له في أمثال المقام لأنّا نعلم أن حجيّة ظواهر الألفاظ ليست لأجل تعبّد شرعي بل لأجل إمضاء الشّارع لما هو المتعارف بين الناس قديما و حديثا و بعد الاعتراف بعدم تعارف العمل بالظّواهر في غير الخطابات الشّفاهيّة يتجه منع الحجيّة (ثمّ أقول) إنك قد عرفت أن مرجع أصالة الحقيقة في الخطاب الشّفاهي إلى أصالة عدم غفلة السّامع عن القرينة المنصوبة لا إلى أصالة عدم القرينة كما أنّ مرجعها مع العلم بعدم نصب القرينة إلى أصالة عدم غفلة المتكلّم عن نصبها فانحصر مجرى أصالة الحقيقة بمعنى أصالة عدم القرينة نفسها في غير الخطابات الشفاهية و حاصل الكلام أنّ أصالة الحقيقة تنقسم إلى أصالة عدم غفلة المتكلم من نصب القرينة و إلى أصالة عدم غفلة
السّامع عن القرينة المنصوبة و إلى أصالة عدم نصب القرينة و الأوّلان مختصّان بالخطاب الشفاهي و الثالث مختص بغيره فالتفصيل المزبور إنكار لحجيّة أصالة عدم القرينة رأسا و قول باختصاص الحجيّة بالأوّلين و منه يتضح شناعة التفصيل المزبور لأنّ إنكار حجيّة أصالة عدم القرينة كلّية مصادمة للبديهة (نعم بقي الكلام) في اعتبارها مطلقا أو مع حصول الظنّ منه فعلا فذهب سيّدنا الأجل (قدّس سرّه) في المفاتيح إلى الثاني و بنى عليه التوقف في المجاز المشهور و الاستثناء المتعقب للجمل و نسبه إلى المحقق الخوانساري (قدّس سرّه) و ربّما حكي أيضا عن بعض الأفاضل و كلام المحقق المحكي غير ظاهر فيما نسب إليه لأنّه منع عن العمل بأصالة العموم في مسألة الاستثناء قائلا بعدم ثبوت اعتبار أصالة الحقيقة في مثل المقام و هذا لا يدلّ على قوله بعدم اعتبار ظواهر الألفاظ إلا مع حصول الظنّ كما ستعرف و استدلّ السيّد (رحمه الله) على مختاره بوجوه أحسنها منع بناء أهل اللّسان على العمل بأصالة الحقيقة تعبّدا و عدم دليل على حجيّتها سوى بناء أهل اللّسان و قد عرفت أنّ هذا المنع في محلّ المنع فالأظهر وفاقا للأكثر هو العمل بأصالة الحقيقة سواء أفاد الظنّ أم لا بل و لو حصل الظنّ بالخلاف و لو لا ذلك لانسدّ باب الاحتجاج بالأدلّة السّمعية و يمتنع إقامة الدّليل الإلزامي إذ