بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٥١ - و ثالثها الكلام في أن الأمر هل هو في حقيقة الطلب الحتمي أو لمطلق الطلب
فليس هذا أمرا و لعلّه يشير إلى هذا الخلاف من أنه هل للأمر حقيقة تخصّه أو لا فإن قيل بالأول صحّ ما ذكره و إن قيل بالثاني فلا و لعلّنا نتكلّم فيه بعض الكلام حيثما يقتضيه شرح المقام و اللّه العالم
و ثالثها [الكلام في أن الأمر هل هو في حقيقة الطلب الحتمي أو لمطلق الطلب]
أنّ الأمر هل هو حقيقة في الطّلب الحتمي أو لمطلق الطّلب فيعمّ النّدب قولان جمهور المعتزلة و أكثر أصحابنا على ما في شرح الزّبدة على الأوّل و خيرة جماعة من متأخّري المتأخرين هو الأخير و نسبه السّيد المقدّس الكاظمي في المحصول إلى الأكثر و التوفيق بين الدّعويين أنّ من نسب الطّلب إلى المشهور فقد لاحظ اقتصار الأصحاب في تعريف الأمر على الطلب لأن ظاهره عدم اعتبار شيء من الخصوصية في مفهومه لا الوجوب و لا الاستحباب و أمّا من نسب الوجوب إليهم فلعلّه وجد ذلك في مطاوي كلماتهم و عثر على تنصيصاتهم بذلك إذ لا وجه له سواه فالاعتماد حينئذ على ما نقله الفاضل الجواد أوفق للسّداد و ذلك لأنّه متى تعارض الأخبار و احتمل استناد أحد المتعارضين إلى أصل أو ظاهر غير معتمد و لم يجر ذلك في الآخر وجب الأخذ به ترجيحا أو جمعا كما تقرر في محلّه و منه تقديم المثبت على النّافي و الجارح على المعدل و الإجماع المنقول على خلاف القاعدة على المنقول المطابق لها و غير ذلك ممّا لا يقتضي المقام بسطه و كيف كان فالمختار هو القول الأوّل (لنا) بعد مساعدة التبادر و صحّة سلب الأمر عن الطّلب النّدبي الاستعمالات الكثيرة المستمرّة الواصلة إلينا من فصحاء أهل اللسان مجرّدة عن القرينة لأنّ استعمال أهل اللّسان المجرّدة عن القرينة دليل قطعي إنّي على الحقيقة بل بمنزلة التنصيص من الواضع كما لا يخفى (و منها) ما في حديث بريرة لما أعتقت و ملكت نفسها قال لها رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله) ارجعي إلى زوجك قالت أ تأمرني يا رسول اللّه قال لا بل إنّما أنا شافع و محلّ الاستشهاد بالحديث الشريف مواضع ثلاثة (الأوّل) استعمال بريرة لفظ الأمر في الطلب الحتمي مجرّدا عن القرينة فإن الاستعمال بلا قرينة دليل على الحقيقة كالتنصيص حسبما أشرنا إليه و هذا موجود في جميع موارد التبادر و لم يتعرضوا له ثقة لوضوح الحال مع عدم الاحتياج بعد التبادر و دعوى وجود القرينة في المقام نظرا إلى أن أصل الطّلب كان معلوما لبريرة بقوله (صلى اللَّه عليه و آله) لها ارجعي إلى زوجك فسؤالها ثانيا قرينة واضحة على استفهام خصوص الإلزام و الوجوب مدفوعة بأنّ السّؤال قد يحسن لاستيضاح الحال و استكثار الفهم و استظهار ما دلّ عليه اللّفظ بظاهره تأكيدا أو مبالغة في إصابة المراد لدفع بعض ما يخطر بالبال من الاحتمال و الإشكال كاحتمال الرّخصة خصوصا مع توهّم الحظر أو احتمال سائر ما يستعمل فيه صيغة افعل غير الطلب و إن كان ظاهرا فيه فإن ظهور اللّفظ في معنى ليس مفيدا للعلم و إن كان يصحّ السّكوت عليها فلا مانع من الاستفهام ثانيا من باب التقرير على ما فهم و لذا ردّ على من استدلّ على الاشتراك بحسن الاستفهام بأنّه لا ينافي الموضع للقدر المشترك العام كما لا يخفى على الخبير بكلماتهم (و الحاصل) أن مجرّد قوله ارجعي بناء على ظهوره في الطّلب لا يمنع عن استفهام الطّلب ثانيا طلبا للاطمئنان و سكوت النّفس في إصابة المراد فلو كان الأمر معناه العرفي مطلق الطّلب لم يكن لإرادة المتكلّم فيه الوجوب بلا قرينة أخرى صارفة و لا لفهم المخاطب منه ذلك كذلك وجه هذا لو قلنا بأنّ صيغة افعل ظاهرة في الطلب مطلقا أو في خصوص المقام بقرينة موجودة هناك فإن قلنا بأنّها ظاهرة في الوجوب كما هو الحق فقد يقال إن قرينة الوجوب حينئذ واضحة لو كان معناه عرفا هو الطّلب فلا يكون استعمال الأمر في الوجوب حينئذ استعمالا بلا قرينة حتى يتم الاستدلال و يدفعه أنّه على الوضع للوجوب حينئذ أدلّ لأن سؤال بريرة عمّا استفادت من الصّيغة بلفظ الأمر ثانيا دليل على ترادفهما و كونهما بمعنى واحد (فإن قلت) لم لا يجوز أن يكون هذا التعبير فيها تعبيرا مجازيا كما لو قال المولى لعبده ائتني برجل شجاع و قال العبد في مقام الاستفهام التوضيحي أ تأمرني بأسد يرمي فإنّه صحيح جدّا (قلت) لا يمنع عن جواز مثل ذلك إذا كان المقام قابلا للتعبير المجازي لبعض الأغراض المجازية لكن الحديث المذكور آب عن ذلك و في غاية البعد عن مظان تطرق مسوغات للمجاز كما لا يخفى على من له ذوق سليم فليتدبّر حتى لا يخفى حقيقة المرام و يدلّ على صحّة ما ذكرنا من حسن الاستفهام التأكيدي التوضيحي أنّ الصّيغة موضوعة للوجوب و عليه القائلون بأن الأمر موضوع للطّلب كلاّ أو جلاّ فسؤال بريرة بعد سماع قوله (صلى اللَّه عليه و آله) ارجعي عن الوجوب ثانيا لا يتمّ إلاّ على ما حققنا به المقام فتبصر و لا تغفل (فإن قلت) إنّ الظاهر من الاستفهام أن
يكون للتأسيس لا للتأكيد (قلت) منشأ الظّهور المذكور إن كان هو وضع حرف الاستفهام لذلك فهو ممنوع و إن كان هي الغلبة الخارجية لا اعتداد بها حتى يعتمد عليها المتكلّم في إرادة المجاز (الموضع الثّاني) هو انسباق الحتم و الإلزام إلى ذهن المخاطب و هو رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله) من لفظ الأمر مجرّدا عن القرينة كما عرفت فإنه دليل إلزامي على الخصم و برهان قطعي لإثبات المدّعى و هذا غير ما يتمسّك من التبادرات في المحاورات فإن ذلك إقناعي لا ينهض حجّة على من يزعم عدم التبادر أو تبادر الخلاف و هذا أصل مطّرد و قاعدة كلّية و محصّلها أنّه متى ثبت و تحقق تبادر ذهن المخاطب على المعنى بلا قرينة في شيء من الآثار المنقولة و القضايا المحكية من أهل اللّسان كان هو قاطعا للعذر و دافعا للتشاجر في معنى ذلك اللّفظ بخلاف ما لو تنازع الاثنان فقال أحدهما إنّ المتبادر هذا