بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٥٢ - و ثالثها الكلام في أن الأمر هل هو في حقيقة الطلب الحتمي أو لمطلق الطلب
و أنكر الآخر أو قال إن المتبادر غيره (الموضع الثّالث) قوله (صلى اللَّه عليه و آله) لا بل إنما أنا شافع فإن مرجعه إلى صحّة السّلب المتمسّك بها في الأوضاع كما لا يخفى و ممّا استعمل فيه لفظ الأمر أيضا في الوجوب بلا قرينة قوله (صلى اللَّه عليه و آله) و لو لا أشق على أمتي لأمرتهم بالسّواك (و منها) غير ذلك ممّا اشتمل عليها الكتب المبسوطة المعمولة في المسألة و عليك بالتأمّل فيها و التدبّر في دفع ما يتوهّم من المناقشات و إن قيل إن الحديث الشريف المذكور غير صالح للاعتماد عليه في المقام لأنّه خبر واحد في مسألة أصولية و المعروف أنّها لا تثبت بالظّنّ مطلقا و لو كان ظنّا خاصّا و على فرض حجّيته في الأوضاع و إثبات اللّغات يعتبر فيه شرائط حجية خبر الواحد في الأحكام من اتفاق السّند و غيره ممّا اعتبروه في أخبار الآحاد كلّ على مذهبه هذا إذا كان الاستدلال به من حيث إنّه ورد من المعصوم و إن كان من حيث إنّه ورد من أهل اللّسان فيعتبر فيه أيضا عدالة الرّاوي سواء قلنا باعتبارها في حجية الخبر الواحد في الأحكام أم لا نعم لا يعتبر فيه التعدّد و إن كان متعلّقة بالموضوع لأنّ الموضوع الّذي يتفرع عليه استنباط حكم شرعي معرفته يكفي فيه الواحد و لا يعتبر فيه التعدّد و من ذلك اكتفاؤهم في تعديل رجال السّند بالعدل الواحد و كذا في نقل الفتوى و لا كذلك سائر الموضوعات كالقبلة و الوقت و نحوهما ممّا لا يترتب عليه معرفة الحكم الشرعي إذ يعتبر فيه التعدّد فالمقام من جهة اختصاصه باعتبار عدالة المخبر دون شيء آخر يمتاز عن الأحكام و من الاكتفاء بالعدل الواحد يمتاز عن سائر الموضوعات و كيف كان فعلى المستدل إثبات اعتبار الحديث و تحقق شرائط الحجّية فيه و لا أقلّ من إثبات عدالة الرّاوي أو إثبات إفادة الظنّ و اعتباره هنا أيضا (قلنا) إنا لا نستدل بالحديث الشّريف من حيث صدوره من رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله) و لا من بريرة أيضا و إنما نستدل به من حيث إنّه استعمال صدر من أهل اللّسان فلا يضرّنا كذب الراوي إذ على فرض كونه مجعولا فالجاعل من أهل اللّسان و استعمال أهل اللّسان المجرّد عن القرينة دليل على الحقيقة حسبما عرفت فليس علينا مئونة إثبات شيء ممّا ذكر هذا (ثمّ) إنا لو أغمضنا عما ذكرنا كلّه و سلّمنا وجود القرينة مماشاة للخصم فنمنع أيضا كونه مجازا في الوجوب و ذلك كما ستعرف إن شاء الله في المبحث الآتي أنّ استعمال الكلّي في الفرد مع إرادة قيد الخصوصيّة من اللّفظ مجازا غير صحيح و كذا استعمال لفظ المشترك في أحد معنييه بواسطة العلاقة الموجودة فيما بينه و بين المعنى الآخر خلافا للمشهور في موضعين حيث صرّحوا بأن استعمال الكلّي في الفرد مع قيد الخصوصية مجازا صحيح و كذا استعمال المشترك في أحد معنييه بملاحظة العلاقة الموجودة بينه و بين الآخر فحيث ما تحقق استعمال اللّفظ في خصوص الفرد كان هذا دليلا على أنّه الموضوع له بالعنوان الخاصّ و توضيح المقام يأتي في البحث عن الصيغة إن شاء الله تعالى (احتجّ) القائلون بأنّه مجاز بعد منع التبادر بوجوه خمسة أو ستة و العمدة منها اثنان (الأوّل) أنّ المستفاد من ظاهر تعاريفهم للأمر و حدودهم له اتفاقهم على أنّه حقيقة في الطّلب حيث إنّهم لم يعتبروا في مفهوم الأمر سوى الطّلب أو ما يفيد مفاده و اقتصارهم في التعريف على ذلك ظاهر في عدم اعتبار خصوصيّة من الوجوب أو الاستحباب في مفهومه و اتفاقهم حجة قطعية في مثل المقام (الثّاني) أن الدّعاء و الالتماس كما يعمّان الوجوب و الندب فكذلك الأمر أيضا و هذا الدّليل بظاهره يرجع إلى إثبات اللّغة بالقياس و هو كما ترى و يمكن أن يوجّه بأنه مبني على أن يكون الفرق بين أقسام الطّلب باختلاف مراتب الطّالبين حسبما مرّ كما هو التّحقيق عندنا فكما أنّ الطّلب الوجوبي ينقسم إلى الأقسام المذكورة بالاعتبار المزبور فكذلك النّدبي فينبغي أن ينقسم الندبي أيضا إلى الأمر و الدّعاء و الالتماس بمعنى أنّه لو صدر من العالي كان أمرا أو من الدّاني كان دعاء و إلاّ لزم أن لا يكفي في الفرق و التميز بينهما مجرّد الرتبة و هو خلاف الفرض فالطّلب النّدبي الصّادر من العالي أمر كما أنّ الندبي الصّادر من الدّاني أو المساوي دعاء و التماس هذا (و الجواب) أمّا عن دعوى كون التبادر إطلاقيا فسيجيء إن شاء الله تعالى في باب الصّيغة و محصّله أنّ سبب التبادر أمران إمّا الوضع أو غيره من الأمور العامة الّتي نفصلها إن شاء الله
و شيء منها غير موجود في المقامين أعني مادّة الأمر و صيغته فتعين الأوّل و تحقيق الحال و تفصيل هذا الإجمال يطلب من البحث الآتي (و أمّا عن الدّليل الأوّل) فهو أنّه مناف لما ادّعاه من انصراف الطّلب حال الإطلاق إلى الوجوب إذ مقتضاه حمل الطلب المقتصر عليه في التعاريف على الوجوب لا على ما يعمّه و النّدب كما لا يخفى و توهم اختصاص ذلك الانصراف بمقام التكليف أو سائر الأحكام فلا يأتي في غيرها فاسد ضرورة عدم الفرق بعد تحقق سبب الانصراف في لفظ بين المقامات و إن سلّمنا فإنّما هو إذا كان سبب الانصراف قاعدة الحكمة كما في بعض الألفاظ المشكّكة المفتاق إرادة فرد ناقصة منها إلى البيان دون الكامل فيستدلّ حينئذ بعدم بيان الفرد الناقص على كون المراد هو الكامل مثل لفظ الملك إذا ورد مطلقا فإنه ينصرف إلى ملك الخاص لاقتصار إرادة الملك المشاع المشترك إلى بيانه فعدم بيانه دليل بقاعدة الحكمة على بيان كمال الملك و تماميّته و أمّا إذا كان الوجه بعض القرائن العامة كالشهرة و الكمال و نحوهما فلا لأنّها تجري مجرى الموضع فيعم المقامات من غير فرق لكونها مركوزا في أذهان أهل العرف فيكون كالقرينة المحصّلة الّتي حكمها حكم الوضع (فإن قلت) فعلى ما ندعي من بطلان الانصراف المذكور لزم القول بأنه للطّلب و لا يكاد يوافق