بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٤٤ - بديعة الكلام في ذكر معاني لفظ الأمر
الصّرف و هو الحاصل بغير القول و ما منعه في الفصول هو القول الصّرف فيبقى القول الدّالّ على الطلب الّذي عبّروه بالقول المخصوص مشمولا للكلامين و بهذا يحصل المحاكمة بين صاحب الفصول و بين المشهور فما صنعه المحقّق القمّي (رحمه الله) من تفسير الأمر بالطّلب القولي اعتبارية محضة و مجمع للمقالتين كما أنّ ما صنعه السّيد المحقق الكاظمي بعيد عن الصّواب هذا ما يتعلّق بالجهة الأولى و أمّا الجهة الثانية و هو أنّ الأمر هل هو مشترك بين المعاني المذكورة لفظا أو معنى أو حقيقة و مجاز فاختلفوا فيها على أقوال (أحدها) أنه حقيقة في القول المخصوص و فيما عداه مجاز عزي إلى الشيخ و العلاّمة و العميدي و الشهيد الثاني و غاية المبادي و البيضاوي و العبري و الأصفهاني و الحاجبي و العضدي و نسبه الفخر إلى الجمهور و في المنية و بعض شروح الزبدة إلى المحقّقين و العضدي إلى الأكثر (و ثانيها) أنّه مشترك بين القول و الفعل نسبه إلى علم الهدى و جماعة من الفقهاء و قيل إنّه لكافة العلماء (و ثالثها) أنه مشترك بين القول و الشّأن و الشّيء و الصّفة و الطّريق حكي عن المحقق في المعارج (و رابعها) كذلك بتبديل الأخيرين بالفعل عن البصري (و خامسها) أنّه حقيقة في القدر المشترك بين القول و الفعل منقول من الآمدي (و سادسها) أنّه مشترك بين القول المخصوص و الأدلّة العقلية على وجوب الأفعال عزي إلى البغدادي (و سابعها) أنّه مشترك بين الطّلب و الشّأن صرّح به في الفصول (و ثامنها) أنّه مشترك بين المعنى المصدري و الاسمي و عني بالأوّل التكلّم بالقول المخصوص و الثاني القول و الفعل على سبيل الاشتراك لفظا أو معنى ذهب إليه الفاضل النراقي (و تاسعها) أنّه مشترك لفظا بين القول المخصوص و القدر الجامع بين سائر المعاني المذكورة و هو مختار بعض المحققين من متأخري المتأخرين و هو المختار و قبل الشروع في حقيقة الحال لا بأس إلى مقدّمة ينبغي الالتفات إليه على سبيل الإجمال تسهيلا للمقال (و هي) أنّ القاعدة في معرفة أوضاع الألفاظ فيما إذا وجد لفظ مستعمل في معان عديدة لا يمتاز الحقيقة منها عن المجاز و لا المجاز عن الحقيقة هي الرّجوع إلى الطّرق العلميّة المقررة لأوضاع الألفاظ و هي علائم الحقيقة كالتّبادر و الاطّراد و عدم صحّة السّلب فإن لم تكن فالمرجع هي الطّرق الظنّية و هي الاستعمال و قول العدل و مطلق الظّن إن قيل باعتباره في بيان الأوضاع حال الانسداد كما عليه المشهور و في اعتبار التعدّد في قول العدل و عدمه وجهان مبنيان على أنّ اعتباره هل هو من باب التعبّد أو الظّن فإن لم تكن فالمرجع هو الأصل و إن كان اعتباره من باب الظّن ففي ترتبه على الظنّ إشكال و ذلك لعدم ترجيح أحد الظنّين على الآخر و تحقيق ذلك موكول إلى محلّ و مقام آخر و إذا عرفت ذلك (فاعلم) أنّه قد يقال إنّ الاشتراك المعنوي أولى من المجاز و الاشتراك لاستلزامهما من المخالفة للأصل أكثر ممّا يستلزمه الاشتراك المعنوي بيان ذلك أنّه متى دار الأمر بين شيئين أو أشياء الاشتراك اللّفظي و الاشتراك المعنوي و الحقيقة و المجاز ينظر فكلّما يكون الحوادث اللاّزمة لتحقق ماهيّة أكثر كان الأولويّة في الجانب الآخر إذ عروض هذه الحوادث و حدوثها في المستعمل فيه منفي مخالف للأصل و بذلك يثبت رجحان الطّرف الآخر الغير المستلزم لها كلاّ أو بعضا و لما كان المجاز لا بدّ فيه من ملاحظة المعنى المستعمل فيه و العلاقة المصحّحة للتجوّز و القرينة الكاشفة عن كون المستعمل فيه مجازا و ملاحظة الوضع و لا يستلزمها الاشتراك المعنوي و لو بعضا ثبت أولويته من المجاز و أمّا من الاشتراك اللّفظي فهو واضح لمكان احتياجه إلى تعدّد الوضع المنفي بالأصل و لذا كان المجاز أولى منه أيضا و فيه أن الأولوية المذكورة بالوجه المذكور ممنوع (أمّا أوّلا) فلعدم تسليم اختصاص الحوادث المذكورة بالمجاز بل ندعي أن الاشتراك المعنوي أيضا مستلزم لها أمّا ملاحظة المعنى المستعمل فيه فواضح إذ لا يعقل أن يستعمل متكلّم لفظا في معنى من غير أن يلتفت إلى ذلك المعنى و لا فرق في هذا بين الحقيقة و المجاز كما لا يخفى و أمّا العلاقة المصحّحة للاستعمال فلأن قاطبة الاستعمالات في المحاورات لا بدّ و أن تكون مستندة إلى شيء من الوضع أو العلاقة فإن كان المستعمل فيه ممّا وضع له اللّفظ بخصوصه فمصحّح الاستعمال هو نفس الوضع من غير حاجة فيه إلى ملاحظة شيء و إن كان غير ما وضع له بخصوصه فلا بدّ من ملاحظة النّسبة بينه و بين المعنى الموضوع فإن كان أمرا متباينا للموضوع
له فلا بدّ أن يكون مناسبا له فبدون ملاحظة المناسبة المصحّحة للتجوّز لا يجوز الاستعمالات لأنّ الاستعمالات مبنيّة على الأوضاع و المناسبات لا الاقتراح و المجازفات و إن كان من قبيل استعمال الكلّي في الفرد فلا بدّ من ملاحظة النّسبة فلو كان الاستعمال على سبيل تعدّد الدّالّ و المدلول أيضا إذ لا بدّ فيه من انطباق المستعمل فيه للموضوع له و هو الكلّي من دون ملاحظة الكلّي و نسبة الفرد إليه حتّى لا يكاد ينطبق المستعمل فيه للموضوع و إن كان اللّفظ حقيقة فيه بهذا الاعتبار و أمّا القرينة فللاحتياج إليها دفعا للالتباس فإن قيل إنّ المجاز يحتاج إلى قرينتين الصّارفة و المعيّنة و لا كذلك الاشتراك المعنوي فلا حاجة فيه إلا إلى القرينة المعينة خاصة (قلت) لا حاجة بعد قيام القرينة المعينة إلى قرينة أخرى صارفة إذ بها ينصرف عن معناه الحقيقي أيضا و يحصل منها جهتي التعيين و الانصراف معا و لا ينفكّ أيضا تعدّد الجهة هنا و وحدة الجهة هناك إذ العبرة في الانتقال بالأصل بنفس الحادثة لا بالآثار