بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٧٨ - التنبيه الثالث الكلام في أن المتبادر من إطلاق الأمر هو الوجوب المطلق النفسي العيني التعييني
غير محلّه و أمّا على القول بكونه حقيقة في الطّلب فترجيح جانب الوجوب أولى نظرا إلى أغلبية استعمال الأمر في الوجوب الغيري مضافا إلى ما مرّ من قوة ظهور الوجوب عرفا هذا إذا لم يكن لخطاب الغيري إطلاق و إلا فمقتضاه نفي الوجوب الغيري بل قد يقال إن مقتضاه البناء على النّدب الاجتهادي لا الفقاهتي و ضعفه ظاهر و كيف كان فالبناء عليه من باب التسامح العقلي لا مضايقة فيه (فإن قلت) لم لم تقل بثبوت النّدب الفقاهتي كما في المشتق الأوّل من الدّوران السّابق (قلت) رجحان المطلق هنا غير ثابت حتى تؤخذ به و ينفي الزائد عنه بأصالة البراءة ضرورة أنّ الوجوب الغيري لا رجحان فيه أصلا كما لا يخفى (و منها) ما إذا دار الأمر بين الوجوب الكفائي و النّدب العيني و الكلام فيه باعتبار الأصل اللّفظي هو عين ما مرّ في دوران الأمر بين الوجوب المشروط و النّدب المطلق و أمّا مقتضى الأصول العملية فالنّدب بالفقاهتي لأن الرجحان المطلق ثابت هنا و بضميمة أصالة البراءة حسبما عرفت يثبت المطلوب (و منها) ما إذا دار الأمر بين الوجوب التخييري و الندب التعييني و الكلام فيه في الأصل اللّفظي و العملي مثل ما مرّ آنفا إلا أن لبعض المحققين هنا كلاما قال و يشكل الحال فيما إذا لم يكن الفعل الآخر الّذي فرض التخيير بينهما ممّا ثبت شرعيته بدليل آخر لمعارضة الوجوب المذكور بأصالة عدم شرعيته و رجحانه و دفعه بأن الأصل لا يقاوم الظاهر فبعد ثبوت الوجوب بمقتضى الظاهر يتعين البناء عليه و هو كاف في شرعيته و رجحانه (قلت) دوران الأمر بين النّدب و الوجوب التخييري بوجوه (أحدها) أن يرد أمران و شكّ في كونهما مستحبين أو واجبين تخييريين (و ثانيها) أن يتعلّق خطاب بشيء معيّن علم كونه للوجوب و ورد خطاب آخر بفعل يشكّ في كونه مستحبّا أو واجبا تخييريا بدلا عن ذلك الواجب كصلاة الجمعة في حال الغيبة فإنّها دائرة بين كونها مستحبّة أو بدلا عن الظّهر (و ثالثها) أن يرد خطاب بشيء مردّد بين الاستحباب و الوجوب التخييري بينه و بين شيء آخر لا نعلمه و أنت خبير بأن أصالة عدم مشروعية الفعل الآخر لا مسرح له في الصورتين الأوليين خصوصا في الثانية الّتي هي مورد الدّوران المذكور ليس إلاّ و أمّا الصورة الثالثة فأصالة عدم مشروعية ذلك الفعل المجهول و إن كان في بداءة النظر جاريا إلا أنه خارج عن المقاصد و لا يترتب عليه فائدة لأن وجوب شيء غير معيّن تخييرا ليس قابلا للامتثال ثم إنّ أصالة عدم المشروعية مضافا إلى كونه أصلا مثبتا أريد بها ثبوت الندب المردد فيه معارض بأصالة عدم الندب أيضا (فإن قلت) إنّها معارضة بأصالة عدم الوجوب التخييري فيبقى أصالة عدم المشروعيّة سليمة عن المعارض (قلت) نعم لكنه لا يجدي إذ غاية ما في الباب أنّ أصالة عدم الوجوب التخييري و أصالة عدم مشروعية ذلك الفعل المجهول يعارضان أصالة عدم الندب فيتساقطن جميعا كما هو الشأن في الأصول المتعارضة الّتي ليس بينهما اختلاف في الرتبة فالتعارض يوجب سقوط الأصول سواء كان أحد الجانبين واحدا أو أزيد و تمام الكلام في محلّه و في المقام كما لا يوجب إجراء الأصول الثلاثة المخالفة القطعية العملية حسبما عرفت لا مانع من العمل بها أجمع فتدرّب (و منها) ما إذا دار الأمر بين الوجوب الكفائي و التخييري و يعرف الحال فيه ممّا تقدّم فعلى المختار فهو من دوران الأمر بين التقييدين و أمّا على القول بالتجوز فيهما فمن دوران الأمر بين المجازين و كيف كان فليس في المقام أصل لفظي يكون هو المرجع و لا شيء يرجح به أحدهما عن الآخر و لا بدّ من الرجوع إلى الأصول العملية فإمّا أن لا يقوم به الغير أو يقوم و على التقديرين فالشّق الآخر إمّا متعذّر أو ممكن فهاهنا صور أربع (أحدها) ما إذا لم يأت بالفعل المردد فيه غيره من المكلفين و تعذّر هو عن إتيان البدل إمّا بأن لا يعلم له بدل أو يعلم و لا يتمكن من إتيانه به (و ثانيها) ما إذا لم يأت به غيره و لكن تمكن من أداء البدل (و ثالثها) ما لو أتى به غيره و لا يتمكن من أداء بدله (و رابعها) ما لو أتى به الغير و تمكن هو عن إتيان البدل أمّا الصّورة (الأولى) فيتعيّن فيها الأداء لأنّه إن كان كفائيا فعند عدم إتيان الغير كان عليه الإتيان به و إن كان تخييريّا فعند تعذّر البدل يتعيّن عليه و لا خفاء فيه و أمّا الصّورة (الثانية) فمقتضى الأصل فيها نفي التكليف رأسا تعيينيّا و تخييريّا إذ لا مانع هنا من العمل بكلا
الأصلين حيث لا يلزم منه مخالفة عملية بسبب إتيان البدل كما لا يخفى و أمّا الصّورة (الثّالثة) ففيها الاحتياط فإن قبل إتيان الغير كان عليه الإتيان به بمقتضى العلم الإجمالي بثبوت التكليف به على أحد الوجهين و قد حقق في محلّه أنّ ذهاب أحد طرفي العلم الإجمالي المعلوم بالإجمال بعد تنجّز التكليف بالعلم الإجمالي لا يوجب ارتفاع أثره كما لو اشتبه ميت المسلم بميّت الكافر ثم فقد أحدهما فإنّه يجب الصّلاة على الباقي و لم تسقط بفقدان الآخر و أمّا الصّورة (الرّابعة) فقد يتراءى في بادي النظر وجوب الإتيان به أيضا من باب الاحتياط للعلم الإجمالي بوجوبه إمّا كفائيا أو تخييريا فيجب تحصيلا للبراءة بعد القطع بالتكليف مضافا إلى الاستصحاب و أصالة عدم سقوطه عنه بأداء الغير و لكنّه لا يخلو عن نظر فإنّ الكلّي هنا من حيث هو ممّا لا يترتب عليه أثر شرعيّ بل و لا عقلي إذ لا أثر للقدر الجامع بين الوجوب الكفائي