بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ١٥١ - الكلام في أدلة مذهب الأعمي
الإخبار و كان معنى قوله لا تصل أنّ صلاتك فاسدة ثمّ ما ذكره فيستقيم حمل الصّلاة المنهي عنها على الصّحيحة و لكنّك خبير بأن مجيء النّهي للإخبار أمر منكر لم يوجد له شاهد إلى الآن في كلام متكلّم فضلا عن فصيح أو حكيم و على تقدير صحّته كما ذكره جماعة منهم العلاّمة فأين هذا من استعمال الصّلاة في الأفعال و الأركان المسامحة على وجه كما تقدم و هل يسوغ للعارف بوجوه تأدية الكلام و الخبير بطرائق الحقيقة و المجاز العدول من الثاني إلى الأوّل (و أمّا الثّاني) ففيه مضافا إلى ابتنائه على أصول الأشاعرة من جواز أمر الشارع بكلّ قبيح عقلا و نهيه عن كلّ حسن كذلك فلا وجه لمتابعة بعض أصحابنا للعضدي أن طرو قضيّة الفساد بسبب النّهي دورانه مدار النهي و الحكم بالصّحة في صورة انتفاء النّهي كحال الغفلة و النّسيان مع أنّهم غير قائلين به في مثل المقام ممّا يتعلّق النّهي فيه بنفس العبادة بل يحكمون فيه بالفساد مطلقا و هو معنى التزام كون النهي عنه فاسدا كشف عن فساده النّهي الشّرعي (توضيح ذلك) أن امتناع المنهي عنه بعد النّهي و طروّ الفساد من أجل النّهي لا وجه له بعد البناء على إمكان صدور الفعل المنهي من المخاطب قبل النّهي إذ غاية ما يلزم من النّهي التحريم و هو لا يقتضي الفساد و لا امتناع تحقق المنهي عنه في المعاملات و أمّا في العبادات فهو و إن كان يقتضيه على التحقيق الآتي إلا أن مرجعه إلى التخصيص و خروج المنهيّ عنه عن إطلاقات الأوامر و هذا عين الالتزام بتعلّق النّهي على الفاسد و استعمال اللّفظ فيها بقرينة النّهي (و الحاصل) أنّ الالتزام يكون العبادات المنهيّ عنها هي الصّحيحة الواقعية الّتي ليس فيها سوى الحسن الملزم مع القول باقتضاء النّهي الفساد تناقض بيّن بل لا يرجع إلى محصّل إلاّ في العبادات على بعض الوجوه و هو أن يكون الفساد ناشئا من جهة تزاحم التّحريم و الوجوب كما هو أظهر الوجهين عند اجتماع الأمر و النهي فإنّ النّهي متعلّق بالصّحيح الواقعي و سبب لطرو الفساد عليه بعد النهي طروا واقعيا لا أنّه سبب للعلم بالفساد بأن يكون كاشفا عن خروجه عن المأمور به و أمّا على الوجه الآخر و هو أن يكون الفساد الّذي يقتضيه النّهي في العبادة من جهة التخصيص و خروج المنهي عنه عن إطلاق الأوامر كما عليه ثلّة من أفاضل المتأخرين فلا وجه للالتزام المذكور و بالتأمّل فيما ذكرنا يظهر سقوط السّؤال و الجواب الّذين أوردهما (قدّس سرّه) و أمّا السّؤال فلأنّه مبني على كون النّهي كاشفا عن الفساد لا مؤثرا فيه و قد عرفت أنّ تصحيح الجواب المذكور يتوقف على الوجه الثاني بأن يكون النّهي سببا لطروّ الامتناع و عروض الفساد و أمّا الجواب ففيه أوّلا أنّ الأوامر لا إطلاق لها على مذهب الصّحيحي فكيف يحكم بثبوت الصّحة قبل العثور على النّهي و ثانيا أنّه ليس الكلام في الصّحة الظّاهرية الثابتة بمقتضى الإطلاقات بل في الصّحة الواقعية فإنّ لازم مذهب الصّحيحي هو القول بأنّ ألفاظ العبادات أسامي للصّحيحة الواقعية منها و العبادات الواردة في حيّز النهي لا يمكن حملها على الصّحيحة الواقعية لا قبل النّهي و لا بعده إذ لا يختلف الحال باختلاف علم المجتهد بالنّهي و عدمه لأن ذلك إنّما يؤثر في الصّحة و الفساد الظّاهريّين دون الواقعيّين نعم يتم ما ذكره بناء على التّصويب في الموضوع و أمّا بناء على ما هو الصّواب من التخطئة فلم أجد وجها لما ذكره (قدّس سرّه) و اللَّه الهادي (و منها) أنّها لو كانت أسامي للصّحيح لانسدّ باب الإخبار بها لبعد الاطّلاع على السّرائر و عدم كفاية ما يتيسّر الاطلاع عليه من الأفعال الظّاهرة في صدق الاسم الّذي هو المخبر به و جوابه قد ظهر ممّا حقّقنا في التبادر المستدلّ به على القول الأوّل و محصّله أنّ الإخبار بمثل هذه الأمور المشتملة على بعض الأجزاء و الشرائط الخفية مبني على إحراز وجودها بالطّرق العرفية و الشّرعيّة من غير أن يرجع إلى مجاز في المخبر به أو تنزيل فيه كما في إطلاق المقادير على ما ينقص عن معانيها الأولية مسامحة و توسّعا فسقط أيضا ما توهّم أنّه على مذهب الصحيحي لا بدّ من ارتكاب مجازات في تلك الألفاظ الواقعة في حيّز الإخبار نظير سقوط ما يتوهم من عدم جواز الإخبار بها بمجرّد الشروع فيها على مذهب الصّحيحي بل لا بدّ من الانتظار إلى انقضاء العمل و ذلك لأنّ نسبة الفعل إلى الفاعل لا تتوقف على وقوع الفعل تامّا بل يكفي في النّسبة مجرّد الاشتغال كما يقال سافر زيد بمجرّد الخروج عن البلد و هذا مثل نسبة الرؤية إلى
زيد في قولك رأيت زيدا و أنت رأيت رأسه (و منها) أنّها لو كانت موضوعة لخصوص الصّحيحة لما صحّ تعلّق الطّلب بشيء من العبادات معلّقا له على أساميها و التالي ظاهر الفساد بيان الملازمة أنّ الألفاظ المذكورة حينئذ دالّة بنفسها على مطلوبية معانيها مع قطع النظر عن تعلّق صيغ الطلب بها إذ المفروض دلالتها على العمل الصّحيح و هو لا يكون إلاّ مطلوبا فلا يحصل من تعلّق الطّلب بها فائدة جديدة و يكون بمنزلة أن تقول أريد منك العمل الّذي هو مرادي و هذا الدّليل أبداه بعض المحققين للأعمي تبعا للمحكي عن أستاذه العلاّمة الطّباطبائي (رحمه الله) (و أجاب عنه بوجوه) لا يخلو كلّها أو جلّها عن المناقشة و قد ظهر لك فساده ممّا تلونا في الأمر الثالث و محصّله المنع عن اعتبار الطّلب في مفاهيم الألفاظ ثم على تقدير الاعتبار فالمعتبر هو مفهوم الطّلب لا مصداقه فالصّلاة مثلا موضوعة للأفعال المطلوبة نظير لفظ المطلوب لا للأفعال حال تعلّق الطّلب بها فعلا و إلاّ لكان مشتملا على المعنى النّسبي الحرفي و كان من قبيل الحروف و المبهمات في عموم الوضع و خصوص الموضوع له و هو مع وضوح بطلانه لأنّ لفظ الصّلاة و الصّوم و غيرهما من الموضوعات الشرعية يجري عليها ما يجري على أسماء الأجناس ممّا لم يقل و لا يلتزم به