بدائع الأفكار - الرشتي، الميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٩١ - المقدّمة الرابعة في ثمرات المسألة
لما كان مناقضا كما صرّح بعين العبارة في الوافية و وافقه كاشف الغطاء إلاّ أنّه غير العبارة فقال أيّ مانع من أن يقول الآمر المطاع إذا عزمت على معصيتي فافعل كذا فجعل شرط الأمر بالموسع العزم على معصية المضيق لا نفس المعصية و لو ساق التعبير مساق تعبير المحقق الثاني و صاحب الوافية لكان أحسن إذ العزم على المعصية لا يجدي في تصحيح الأمر بالضدّ ضرورة مساواة تقدير العزم و تقدير عدمه في امتناع الأمر بالموسّع مع المضيق إذ مع العزم على المعصية مأمور أيضا بالمضيق و مع عدمه لا يصحّ الأمر بالموسّع و إنما يتعلّق الأمر به على تقدير لا يتصوّر فيه الأمر بالمضيق و هو تقدير نفس المعصية لا تقدير عزمها فما في كشف الغطاء فاسد أو مؤول إلى ما ذكروا من اشتراط الأمر بالموسّع بمعصية المضيق و هذا هو المراد و السّر في التفسير بالعزم هو أن العازم للشيء محرز له فالتقدير عنده حاصل فالأمر بالموسّع بزعمه متوجّه و أمّا الإشكال (الثالث) و هو ارتفاع الوجوب مع انحصار المقدّمة في الحرام فلأن المحال إنما هو الطّلب المطلق لا مطلق الطّلب لأن سقوط الطّلب عند الانحصار في المحرم إنّما هو لكونه تكليفا بما لا يطاق و إنما يلزم التكليف بما لا يطاق إذا كان مطلقا لا على تقدير المعصية و فرضها أمّا على تقديرها فلا و لذا قال بعض الأفاضل من المؤمنين بهذا الأصل أي الوجوب المشروط بالمعصية بصحّة الوضوء مع انحصار الآنية في المغصوبة أو الذّهب و الفضة في قبال كلّ العلماء حيث يقولون بالفساد و هو منظر وجيه لا يوجد فيه قبح لو لا الإشكال الّذي قلنا إنه غير مندفع و توضيحه أن الأمر بالوضوء مع الانحصار على تقدير المعصية بالاغتراف من الآنية لا مانع منه عقلا و إطلاق الأمر بالوضوء لا مخصص له فإذا أحرز المكلّف هذا التقدير بسوء اختياره و علم من حاله أنّه يعصي و توضأ صحّ إذ لا أثر للنهي في العمل المفروض صدوره و نزيد توضيحه أن ارتفاع الأمر عند انحصار المقدّمة في الحرام إنما هو للزوم التكليف بما لا يطاق و هو على الوجه المذكور غير لازم إذ لا تنافي بين الأمر بالشيء على تقدير شيء و النهي عن ذلك الشيء مطلقا أي لا على تقدير و قال المحقق الثاني بعد تصحيح الصّلاة مع الاشتغال بالدّين أنه من غوامض التحقيقات و هو كذلك فلا ينبغي لأهل البصائر المسارعة إلى الردّ من دون غور و خوض في عمقه و أمّا من لا بصيرة له فهو معذور و أمّا الإشكال (الرابع) فقد ظهر اندفاعه بما اندفع به الإشكالان الأولان و أمّا الإشكال (الخامس) فهو غير مندفع و قد أجاب عنه بعض المحققين بأنّ ترك المضيق مقدّمة وجوبية حيث إنه شرط لوجوب الموسّع و إن كان مقدّمة لوجوده أيضا و مقدّمة الوجوب غير واجبة مطلقا بالاتفاق و لا ينافي كونها شرطا للوجوب كونها متأخرة عنه لأنّ الشرط المتأخر جائز في الشرع فإذا جاز ذلك و راعينا ما هو المقرر عندهم من عدم وجوب شرائط الوجوب و إن كانت مقدّمة للوجود لزم القول بتعلّق الأمر الموسّع قبل ترك الإزالة من دون سراية الوجوب المقدّمي إليه و لعمري إنّ هذا الكلام من مثله من الغرائب و في شأنه المثل إنّ الجواد قد يكبو و ذلك لأنّ شرائط الوجوب إنما لا يتصف بالوجوب إذا كانت سابقة عليه و هو محط أنظار القوم في الحكم بعدم وجوب مقدّمة الوجوب مطلقا و لو كانت مقدّمة للوجود و هو الّذي يقضي به بداهة العقل لاستحالة وجود المعلول قبل العلّة و الوجوب المقدّمي معلولي لوجوب ذيها فقبل وجوبه كيف يجب مقدّمته و أمّا إذا كانت متأخرة عن الوجوب و صحّحنا الشرط المتأخر بأحد الوجوه المذكورة في بابه فلا محيص عن القول بوجوبها أيضا و إن كانت متأخرة إذ العبرة بجريان الدليل القاضي بعدم الوجوب و هو لزوم تقدّم المعلول على العلّة و عدمه و هو كما ترى لا يأتي في الشروط المتأخرة ضرورة فرض تحقق وجوب الواجب الّذي هو علّة لوجوب المقدّمة قبل وجودها فكيف يتخلّف المعلول عن العلّة فكما أن الوجوب في صورة التقدّم يستلزم تقدّم المعلول على العلّة فكذا عدم الوجوب في صورة المتأخر مع كونه مقدّمة للوجوب أيضا يستلزم تخلّف المعلول عن العلّة و كلاهما في الاستحالة بمكان واحد فالحق ما أفاده السيّد الصّدر (قدّس سرّه) حيث إنّه بعد الاستدلال على صحة الموسّع مماشاة للماتن مستشعر اعتراضا عليه يقرب من الإشكال الخامس و هو أنّ فعل الموسّع موقوف على الصارف عن المضيق فيجتمع فيه الوجوب و التحريم فقال إنّ هذا الإشكال لا حاسم له إلا بإنكار وجوب
المقدّمة أو بتجويز اجتماع الأمر و النهي و هو في غاية السّداد و الجودة (فإن قلت) الإشكال الرابع و الخامس متقاربان بل متحدان و هو لزوم اجتماع الأمر و النهي في الموسّع تارة و في المضيق أخرى فكيف ارتفع في الموسّع على الوجه المقرر و لا يرتفع في طرف المضيق (قلت) الفرق بينهما و إن كان دقيقا إلاّ أنه حقيق بالقبول لأنّ الأمر في الموسّع نفسي و النهي غيري و مآله إلى وجوب تركه مقدّمة للمضيق و وجوب فعله لكونه عبادة مأمورا بها و لا منافاة بين وجوب ترك الشيء مقدّمة لشيء و وجوب فعله على تقدير عدم الإتيان بذي المقدّمة و أمّا المضيق فهو على عكس الموسع لأن وجوبه غيري و حرمته نفسي و حرمة الشيء نفسا لا يجامع وجوب فعله مطلقا و لو مقدمة لشيء آخر إذ ليس هنا تقدير مصحّح للأمر بحيث ترتفع المنافاة بينه و بين النهي فالوجه المصحّح للاجتماع مختصّ بالنهي الغيري و الأمر النفسي فلا يتصوّر في العكس فافهم و اغتنم و اجعله من هدانا ثم إن كلامنا مع المحقق المذكور مبني على المماشاة معه في جواز